محمد الحمادي

محمد الحمادي

تابعنى على

لحن دبي في زمن الحرب

Tuesday 07 April 2026 الساعة 09:08 pm

المدن الكبرى قد تبهرك بشكلها الخارجي ومبانيها واقتصادها ورفاهيتها، لكن نادراً ما تصادف مدينة تلامس شيئاً أعمق، شعوراً لا يقاس، ولا يشرح بسهولة، هذا ما حدث في تلك الأمسية الموسيقية التي أحياها الفنان عمر حرفوش في دبي.

لم تكن مجرد حفلة موسيقية، ففي تلك الليلة لم يكن الهدف الترفيه بقدر ما كان إيصال رسالة واضحة للسلام والمحبة في دبي، رسالة تجسدت في عرض موسيقي مميز قدمه حرفوش مع فرقته الرباعية في قاعة ستنوي، حيث امتزج الفن بالمعنى، وتحولت الموسيقى إلى لغة إنسانية مشتركة.

وقبل أن يبدأ معزوفاته الرائعة، قال حرفوش مخاطباً الحضور، إنه عندما عاد إلى دبي في ظل استمرار الاعتداءات الإيرانية لم يكن شعوره أنه عاد إلى مجرد مدينة، بل إنه عاد إلى وطن وإلى بيت يسكن فيه ويسكنه، لم يكن يتحدث بلغة المجاملة فقد كانت نبرة صادقة، تختصر سراً تعرفه هذه المدينة جيداً: أن الانتماء فيها لا يختزل في جواز سفر أو وثيقة رسمية، بل يبنى على شعور، خصوصاً في هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها الإمارات والمنطقة بشكل عام، ودبي بشكل خاص، حيث لا تتوقف أصوات تصدي دفاعاتنا الجوية للصواريخ والمسيرات الإيرانية.

في القاعة، لم يكن الجمهور واحداً، كان مشهداً مصغراً لدبي التي نعرفها، مواطنون، مقيمون، سفراء، فنانون، رجال أعمال وغيرهم، ومن جنسيات متعددة، لغات مختلفة، وخلفيات متباينة، ومع ذلك، كان هناك انسجام واضح، كأن الجميع يفهمون اللحن ذاته حتى وإن اختلفت لغاتهم. في تلك الأجواء تشعر بأن دبي لا تدار فقط بالأنظمة والقوانين، بل بفكرة أعمق، هي أن الإنسان يمكن أن يشعر بأنه في مكانه، حتى لو لم يكن من هذا المكان، وهذا أحد أهم عناصر قوة هذه المدينة.

في عالم مضطرب، حيث تتصاعد الهويات الضيقة وتضيق مساحات القبول، تقدم دبي نموذجاً مختلفاً.. نموذج لا يلغي الاختلاف، بل ينظمه ولا يذيب الخصوصيات، بل يضعها ضمن إطار من الاحترام والتعايش، الموسيقى، في تلك الليلة، لم تكن مجرد أداء فني، كانت انعكاساً دقيقاً لهذه الفلسفة، لحن واحد، لكن بآذان متعددة، إحساس واحد، لكن بتجارب مختلفة.

قد تختلف الآراء حول دبي، وقد تتباين التفسيرات لتجربتها، لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها، أن هذه المدينة نجحت في خلق شعور نادر، شعور بأنك مرحب بك، لا كزائر، بل كجزء من المشهد، ولهذا، ربما لم يكن عمر حرفوش يصف تجربة شخصية فقط، بل كان يعبر عن معادلة كاملة تفسر لماذا بقيت المدينة حية في قلوب من فيها، رغم كل ما مرت به خلال الأسابيع الماضية.

وأخيراً، لم يعد خافياً أن بقاء الناس في دبي رغم الصواريخ والمسيّرات لم يكن موقفاً عابراً، بل كان تعبيراً عميقاً عن ثقة راسخة بأن هذه المدينة التي تحولت يوماً إلى لحن، تعرف كيف تحمي إيقاعها، وتستمر.

*نقلاً عن صحيفة الخليج