في صمتٍ جنائزيٍّ مهيب، حيث تنطفئ الكلمات خجلاً من عظمة الغياب، نفتحُ دفتر الرثاء، ليس لنرثي جسداً غادرهُ النبض، بل لنبكي زماناً عزَّ فيه الرجال.
في زمنٍ مشوَّهٍ تختلط فيه المعايير، ويصبح الضجيج فيه أعلى من صوت الحقيقة، كان عبدالصمد القاضي يمر كأنه ومضة برق خاطفة، قصيرة العمر، لكنها تترك في جوف الأرض أثراً لا يُمحى. لم يكن مجرد اسمٍ يتردد في المجالس، ولا وجهاً عابراً يذوب في زحام الحياة، بل كان فكرةً تسير على قدمين، وموقفاً يرتجف له العدم، وقلباً ينبض بما عجزت عنه صدور الكثيرين.
لم يعش عبدالصمد ليكون مجرد رقمٍ يُضاف إلى سجلات العابرين، بل عاش ليكون المعنى الذي يفتقدونه في ساعات الضيق. كان ثابتاً حين تهاوت العزائم، وواضحاً كالشمس حين اختبأ الجميع خلف رماد الحيرة، مؤمناً بشيءٍ لا تراه الأعين، لكنه يستقر في الروح كضوءٍ سرمديٍّ لا ينطفئ.
لم يطارد البطولة يوماً، ولم يسعَ إلى نهايةٍ مأساويةٍ تُخلِّد ذكره، لكنه اختار طريقاً يعرف يقيناً أن نهايته ليست مفرشةً بالورود، وهذا الاختيار وحده كان يكفي لقول كل شيء.
الرصاصات التي اخترقت جسده لم تكن مجرد فعل غدر، بل كانت اعترافاً صريحاً بعجز الظلم أمام رجلٍ واحد تسلّح باليقين. فحين تُقتل الفكرة في صاحبها، يظن القاتل الواهم أنه انتصر، لكنه في الحقيقة يوقّع بدمه على بداية انتشارها في الآفاق.
عبدالصمد لم يغادرنا لأنه أحب الموت، بل لأنه رفض أن يتنفس حياةً بلا قيمة، وهذا هو الفارق المقدّس الذي يصنع الشهداء ويجعل دمهم لعنةً تطارد القتلة.
أيُّ مفارقةٍ موجعةٍ تلك التي نحياها اليوم؟ حيث يضطرب المجتمع لأجل تفصيلةٍ تافهة، ويقيم الدنيا ولا يقعدها من أجل رمزٍ مقلوب، لكنه يلوذ بالصمت المريب أمام دمٍ طاهرٍ يُسفك، كأن القيم اختارت أن تُصاب بالعمى في الوقت الخطأ.
وهنا، بالضبط، يتجلى معنى التضحية، ليس في فعل الموت ذاته، بل في كشف هذا الخلل العميق في وجدان البشر.
على قبره لا تكفي كلمات الرثاء الباردة، بل يجب أن نحفر سؤالاً يوجع كل من يمر: كيف أصبح الإنسان أرخص من فكرة؟
أبا عزّت لم يكن مجرد لقبٍ يُنادى به، بل كان حملاً ثقيلاً من المسؤولية حمله بصمت الجبال. ترك وراءه فراغاً لا يُملأ، ووجعاً لا يُختصر بكلمات، لكنه ترك شيئاً أخطر: ترك مثالاً، والمثال لا يُدفن أبداً.
إن الرجال من طينة عبدالصمد لا يُقاسون بطول أعمارهم، بل بعمق الأثر الذي يتركونه، وبعض الأثر لا يُمحى ولو اجتمعت عليه عوادي الزمن.
قد يرحل الجسد ويوارى الثرى، لكن الفكرة حين تُزرع بصدق تتحول إلى عدوى مقدسة تنتقل من قلبٍ إلى قلب، حتى تصبح واقعاً يزلزل الأرض.
وهنا تكمن خطورة الشهداء… إنهم، ببساطة، لا ينتهون.
>
