"السباق إلى المكلا".. كتاب يوثق ملحمة النصر على القاعدة في المكلا ودور الإمارات

السياسية - منذ 5 ساعات و 3 دقائق
أبوظبي، نيوزيمن:

صدر حديثاً كتاب "السباق إلى المكلا" عن مشروع كلمة للترجمة التابع لـمركز أبوظبي للغة العربية، من تأليف الباحث مايكل نايتس وترجمة سامر أبوهواش، في عمل توثيقي موسع يتناول واحدة من أبرز المعارك ضد تنظيم القاعدة في اليمن، ويعيد قراءة مسار المواجهة مع التنظيم من جذوره وحتى لحظة الحسم في مدينة المكلا.

ويقدّم الكتاب، الممتد على 12 فصلاً، سرداً تفصيلياً يجمع بين التحليل السياسي والعسكري، مع شهادات ميدانية وقصص واقعية من قلب المعارك، ما يجعله مرجعاً مهماً لفهم طبيعة الحرب على الإرهاب في اليمن وتعقيداتها المحلية والإقليمية.

يبدأ الكتاب بتتبع نشأة تنظيم القاعدة في اليمن، موضحاً كيف تحولت البلاد منذ تسعينيات القرن الماضي إلى بيئة جاذبة لنشاط التنظيم، نتيجة تداخل عوامل عدة، أبرزها ضعف مؤسسات الدولة وعودة المقاتلين من ساحات القتال في أفغانستان.

ويستعرض المؤلف البدايات الأولى للعمليات الإرهابية، مثل تفجير فندق في أوائل التسعينيات، وصولاً إلى الهجمات التي استهدفت مصالح دولية، وعلى رأسها الهجوم على المدمرة الأمريكية "كول"، وهو ما رسّخ موقع اليمن كإحدى الساحات الرئيسية لنشاط التنظيم على مستوى العالم.

كما يسلط الضوء على الروابط الاجتماعية والقبلية التي استغلها التنظيم لبناء شبكاته، مستفيداً من التضاريس الجغرافية الوعرة التي وفرت له ملاذات آمنة للتخطيط والتنفيذ.

الربيع العربي وصعود التنظيم

ينتقل الكتاب إلى مرحلة الربيع العربي عام 2011، التي شكلت نقطة تحول في مسار الصراع، حيث أدى انهيار مؤسسات الدولة وتفكك الأجهزة الأمنية إلى خلق فراغ كبير استغله تنظيم القاعدة لتوسيع نفوذه. ويعرض كيف سعى التنظيم إلى استثمار هذا الفراغ عبر السيطرة على مناطق في جنوب اليمن، وإعلان ما عُرف بـ"إمارة وقار" في أبين، في محاولة لتأسيس نموذج حكم قائم على تفسيره المتشدد للشريعة.

كما يوضح أن هذه التجربة، رغم فشلها لاحقاً، منحت التنظيم خبرة في إدارة المناطق والسيطرة على السكان، وهو ما ساعده في إعادة تنظيم صفوفه والتحضير لمرحلة جديدة من التوسع.

ويتوقف الكتاب عند عام 2015 بوصفه لحظة مفصلية، حين تمكن تنظيم القاعدة من السيطرة على مدينة المكلا، مستفيداً من الانهيار الأمني الناتج عن تصاعد الصراع في البلاد. ويشرح كيف تحولت المدينة إلى مركز رئيسي لعمليات التنظيم، حيث استغل مواردها الاقتصادية، وخاصة الميناء، لتمويل أنشطته، إلى جانب استخدامها كقاعدة لتدريب المقاتلين واستقطاب عناصر جديدة.

كما يشير إلى أن التنظيم حاول كسب تأييد السكان في البداية عبر تحسين بعض الخدمات، قبل أن تتراجع هذه السياسة تدريجياً، ما أدى إلى تصاعد حالة التململ الشعبي ضده.

الدور الإماراتي وبناء القوات المحلية

يفرد الكتاب مساحة واسعة للحديث عن دور القوات المسلحة الإماراتية، التي تبنت استراتيجية متعددة الأبعاد لمواجهة التنظيم، تقوم على دعم وتدريب قوات يمنية محلية قادرة على إدارة المعركة ميدانياً. ويشرح كيف عملت هذه القوات على بناء شراكات مع القبائل في حضرموت، من خلال تقديم الدعم اللوجستي والخدمات الأساسية، ما ساهم في كسب ثقة المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مقاومة التنظيم.

كما يتناول تفاصيل برامج التدريب والتأهيل التي شملت مئات المقاتلين، إلى جانب تزويدهم بالمعدات اللازمة، بما مكّنهم من التحول إلى قوة فاعلة على الأرض.

ويقدم الكتاب وصفاً دقيقاً لعملية "السيل الجارف"، التي مثلت نقطة التحول في المواجهة مع تنظيم القاعدة، حيث جرى التخطيط لها بعناية لتجنب الخسائر المدنية وتحقيق عنصر المفاجأة. ويعرض مراحل الإعداد للعملية، بما في ذلك جمع المعلومات الاستخباراتية، وتحديد الأهداف، وتحريك القوات في محاور متعددة، إضافة إلى الدعم الجوي والبحري الذي رافق الهجوم.

كما يوضح التحديات التي واجهتها القوات، من كمائن وألغام وسيارات مفخخة، وكيف تم تجاوزها عبر التنسيق بين مختلف الوحدات، وصولاً إلى اختراق دفاعات التنظيم.

تحرير المكلا ونهاية سيطرة التنظيم

يسرد الكتاب تفاصيل المعركة النهائية لتحرير المكلا في أبريل 2016، حيث تمكنت القوات المشتركة من دخول المدينة والسيطرة على مواقعها الحيوية، بما في ذلك الميناء والمطار. ويبرز دور السكان المحليين في دعم العمليات، من خلال تقديم معلومات ميدانية ساعدت في تجنب الكمائن وتسريع التقدم، إلى جانب مساهمة القبائل في تأمين المناطق المحررة.

كما يشير إلى أن العملية انتهت بإخراج تنظيم القاعدة من المدينة وتفكيك بنيته العسكرية، ما شكل ضربة كبيرة لنفوذه في اليمن. ولا يكتفي الكتاب بسرد الوقائع العسكرية، بل يسلط الضوء على التضحيات التي قُدمت خلال المعارك، سواء من القوات المشاركة أو من اليمنيين الذين ساهموا في المواجهة. كما يستعرض التحديات التي واجهت القادة في الميدان، من نقص الموارد إلى تعقيد البيئة القتالية، ويبرز كيفية التعامل معها لتحقيق الأهداف العسكرية.

ويقدم العمل دروساً مستفادة في مجال مكافحة الإرهاب، خاصة فيما يتعلق بأهمية الشراكة مع المجتمعات المحلية وبناء قوات قادرة على الاستمرار بعد انتهاء العمليات.

في ختام فصوله، يضع الكتاب تجربة المكلا في سياق أوسع يتعلق بالحرب العالمية على الإرهاب، موضحاً كيف تتداخل العوامل المحلية والإقليمية في تشكيل مسار الصراع. ويرى المؤلف أن نجاح عملية تحرير المكلا لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل نموذج يمكن الاستفادة منه في مواجهات مشابهة، حيث يجمع بين العمل العسكري المنظم والدعم المحلي.

ويمثل "السباق إلى المكلا" إضافة مهمة للمكتبة العربية، إذ يوفر قراءة معمقة لتجربة ميدانية معقدة، ويعيد تسليط الضوء على واحدة من أبرز محطات مواجهة تنظيم القاعدة في اليمن والمنطقة.