انهيار الكهرباء يشعل الغضب الشعبي والحكومة تتحدث عن حلول عاجلة

السياسية - منذ ساعة و 14 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

تشهد المحافظات المحررة، وفي مقدمتها العاصمة عدن ، تصاعداً غير مسبوق في أزمة الكهرباء مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وسط تدهور حاد في ساعات التشغيل وتزايد ساعات الانطفاء، في مشهد بات يعكس عمق الأزمة التي تعانيها منظومة الطاقة منذ سنوات، ويغذي حالة متنامية من الغضب الشعبي تجاه الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي.

وخلال الأيام الأخيرة، ازدادت معاناة السكان مع اتساع ساعات الانقطاع وتراجع قدرة محطات التوليد على تغطية الحد الأدنى من الاحتياج اليومي، في ظل نفاد الوقود وتكرار الأعطال الفنية وتهالك البنية التحتية لمنظومة الكهرباء، الأمر الذي أعاد ملف الخدمات الأساسية إلى واجهة المشهد السياسي والمعيشي في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية.

ويرى مراقبون أن أزمة الكهرباء لم تعد مجرد اختلالات موسمية مرتبطة بارتفاع الأحمال خلال الصيف، بل تحولت إلى أزمة هيكلية مزمنة تكشف حجم التدهور الإداري والمالي والفني الذي يضرب قطاع الطاقة، في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية باتخاذ خطوات جادة تتجاوز المعالجات المؤقتة والوعود المتكررة.

ومع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة في المدن الساحلية، خصوصاً عدن، أصبحت ساعات الانطفاء الطويلة تشكل عبئاً يومياً ثقيلاً على السكان، الذين يواجهون ظروفاً معيشية صعبة وتراجعاً مستمراً في الخدمات الأساسية.

ويقول مواطنون إن الكهرباء باتت تنقطع لساعات طويلة مقابل فترات تشغيل محدودة، ما تسبب في تفاقم معاناة المرضى وكبار السن والأطفال، إضافة إلى تأثيرات مباشرة على الأنشطة التجارية والخدمية والحياة اليومية بشكل عام.

كما تصاعدت الدعوات الشعبية المطالبة الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي بالتدخل العاجل لإنقاذ قطاع الكهرباء، ووقف حالة التدهور المتواصلة التي تتكرر مع كل صيف دون حلول مستدامة، رغم الوعود والإعلانات الحكومية المتكررة.

ويرى ناشطون أن استمرار الأزمة بهذا الشكل يعمق حالة الاحتقان الشعبي ويفاقم فقدان الثقة بقدرة المؤسسات الحكومية على إدارة الملفات الخدمية، خصوصاً أن الكهرباء تمثل الخدمة الأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة المتصاعدة، عقد المجلس الأعلى للطاقة، الأحد، اجتماعاً في العاصمة عدن برئاسة رئيس الوزراء، شائع الزنداني، أقر خلاله حزمة من القرارات والمشاريع الهادفة إلى تحسين خدمة الكهرباء وتأمين الوقود وتطوير البنية التحتية لمنظومة الطاقة.

وأكد رئيس الوزراء خلال الاجتماع أن الحكومة تولي ملف الكهرباء أولوية قصوى باعتباره "عصب التنمية" والخدمة الأكثر التصاقاً بحياة المواطنين، مشدداً على ضرورة الجمع بين الحلول الاستراتيجية والإجراءات العاجلة للتخفيف من معاناة السكان.

وأقر المجلس آلية وصفها بـ"المستدامة" لتأمين إمدادات الوقود وضمان استمرارية التوليد، تتضمن معالجة الفجوة التموينية في مادتي الديزل والمازوت مقارنة بالاحتياج الفعلي، عبر الاستفادة من الكميات المتوفرة ضمن الاتفاقية المبرمة مع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. كما وجّه المجلس بتوفير حصة الوقود الخام اللازمة لتشغيل توربينات محطة الرئيس في عدن بكامل طاقتها، في ظل تراجع إنتاج المحطة نتيجة نقص الوقود خلال الفترات الماضية.

ورغم القرارات الحكومية، حمل اجتماع المجلس الأعلى للطاقة اعترافاً واضحاً بحجم الأزمة التي يعيشها قطاع الكهرباء، حيث أكد المجلس أن محطات التوليد بوضعها الراهن غير قادرة على تغطية الاحتياجات الفعلية للاستهلاك اليومي، في ظل ارتفاع الطلب وتزايد الأحمال.

وأشار المجلس إلى الحاجة الملحة لتنفيذ أعمال صيانة عاجلة ودورية لمحطات التوليد ورفع كفاءتها التشغيلية، إضافة إلى معالجة الاختلالات الفنية والإدارية التي تعانيها المنظومة الكهربائية. ويرى مختصون أن هذا الاعتراف الرسمي يعكس حجم التحديات المتراكمة التي لم تعد مرتبطة فقط بنقص الوقود، بل أيضاً بتهالك الشبكات وضعف الصيانة وغياب الخطط الاستراتيجية طويلة المدى.

كما يؤكد المختصون إيضا أن المعالجات السابقة كانت في معظمها مؤقتة وتعتمد على حلول إسعافية لا تعالج جذور الأزمة، الأمر الذي جعل المنظومة الكهربائية عرضة للانهيار المتكرر مع أي زيادة في الطلب.

وفي إطار البحث عن حلول طويلة الأمد، شدد المجلس الأعلى للطاقة على أهمية التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة باعتبارها خياراً استراتيجياً لتخفيف الضغط على محطات التوليد التقليدية التي تعتمد بشكل أساسي على الوقود. كما ناقش الاجتماع آليات تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص للاستثمار في قطاع الكهرباء، في ظل محدودية الإمكانات الحكومية والحاجة إلى تطوير البنية التحتية للطاقة.

ويرى اقتصاديون أن التوجه نحو الطاقة المتجددة أصبح ضرورة أكثر من كونه خياراً، خاصة مع الكلفة المرتفعة لتشغيل المحطات التقليدية، واستمرار الأزمات المرتبطة بتوفير الوقود وتمويل شراء المشتقات النفطية.

وتضمنت قرارات المجلس التوسع في تركيب العدادات الذكية وتنظيم عملية التحصيل ورفع كفاءة الإيرادات، بهدف الحد من الفاقد المالي وتحسين موارد قطاع الكهرباء. كما شدد المجلس على ضرورة تحصيل رسوم الاستهلاك واتخاذ إجراءات قانونية بحق المتخلفين عن السداد، إضافة إلى إلزام السلطات المحلية بتوريد إيرادات مؤسسات الكهرباء إلى حساب المؤسسة العامة للكهرباء في البنك المركزي.

ويؤكد مختصون أن الاختلالات المالية والإدارية تمثل أحد أبرز أسباب تدهور القطاع، حيث تعاني مؤسسات الكهرباء من ضعف التحصيل وارتفاع الفاقد الفني والتجاري، فضلاً عن غياب الرقابة الفاعلة وتراكم الديون.

ويرى المواطنون في عدن وباقي المناطق المحررة أن استمرار أزمة الكهرباء بهذا المستوى لم يعد مجرد ملف خدمي، بل تحول إلى قضية سياسية واجتماعية تمس صورة الحكومة وفاعلية مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة. كما أن تفاقم الانقطاعات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع درجات الحرارة يضع السلطات أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الاستجابة لمطالب المواطنين واحتواء الغضب الشعبي المتزايد.

وفي حين تعول الحكومة على حزمة القرارات الجديدة لتخفيف الأزمة، تبقى المخاوف قائمة من أن تتحول هذه الإجراءات إلى مجرد وعود جديدة، ما لم تُترجم إلى خطوات عملية عاجلة تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين الذين أنهكتهم سنوات الحرب والانهيار الخدمي المستمر.