"رسوم هرمز".. إيران تناور بورقة الجباية وتهدد قواعد الملاحة الدولية

السياسية - منذ 3 ساعات و 15 دقيقة
نيويورك، نيوزيمن:

لم تعد طهران تلوّح بمضيق هرمز كورقة ضغط عسكرية وأمنية فقط، بل بدأت تتجه نحو توظيفه كأداة نفوذ اقتصادي مباشر، عبر طرح فكرة فرض رسوم على السفن العابرة للممر البحري الأهم عالمياً، في خطوة يرى مراقبون أنها تعكس محاولة إيرانية لفرض واقع جديد على حركة الملاحة الدولية واستثمار التوترات الإقليمية لتحقيق مكاسب سياسية ومالية.

وكشف تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية أن إيران تسعى إلى إضفاء طابع رسمي وتجاري على سيطرتها الجغرافية على مضيق هرمز، من خلال فرض رسوم عبور على السفن التجارية، وهو ما أثار قلقاً واسعاً داخل قطاع الشحن البحري العالمي، وسط تحذيرات من تداعيات محتملة على الاقتصاد الدولي وأسواق الطاقة.

ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة أو أي محاولة لفرض قيود جديدة عليه قضية تتجاوز البعد الإقليمي إلى تهديد مباشر للتجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي.

ويرى محللون أن التحرك الإيراني يأتي في سياق محاولة تحويل النفوذ الجغرافي والعسكري إلى ورقة "جباية" اقتصادية، مستفيدة من حالة التوتر التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع المواجهة الأميركية والإسرائيلية مع إيران أواخر فبراير الماضي، والتي تسببت في تراجع ملحوظ بحركة الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.

وبحسب التقرير، فإن فكرة فرض رسوم على السفن تتعارض بشكل واضح مع قواعد القانون البحري الدولي، الذي يقوم على مبدأ حرية الملاحة وعدم جواز فرض رسوم على المرور الآمن في الممرات الدولية، وهو ما يجعل فرص نجاح المشروع الإيراني محدودة من الناحية القانونية والسياسية.

وفي هذا السياق، وصف رئيس المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، أرسينيو دومينغيز، أي نظام رسوم إلزامية في مضيق هرمز بأنه "غير مقبول"، مؤكداً أنه يتجاوز مبدأ حرية الملاحة وحق المرور الحر الذي يشكل أحد أسس النظام البحري الدولي.

لكن رغم العقبات القانونية، فإن مجرد طرح الفكرة أثار حالة من القلق وعدم اليقين داخل شركات الشحن والتأمين البحري، خصوصاً مع استمرار التوترات العسكرية وبقاء عدد من السفن وطواقمها عالقين في المياه الإقليمية منذ أشهر.

وتقول ميشيل فيزي بوكمن، المحللة في شركة الاستخبارات البحرية "ويندوارد"، إن الخطط الإيرانية قد تكون أقرب إلى "استعراض سياسي" يهدف إلى تعزيز أوراق الضغط في مواجهة الإدارة الأميركية، لكنها في الوقت ذاته حذرت من أن المخاطر المترتبة على هذه الخطوة كبيرة للغاية، بالنظر إلى حجم التجارة العالمية التي تعتمد على النقل البحري.

وتشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن نحو 11 مليار طن من التجارة العالمية تُنقل سنوياً عبر البحر، ما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد في المضائق الدولية قد ينعكس بصورة مباشرة على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والتجارة العالمية.

ويبرز ملف التأمين البحري باعتباره أحد أخطر التحديات المرتبطة بأي محاولة لفرض رسوم إيرانية، إذ إن السفن التي قد تستجيب لدفع مبالغ لطهران يمكن أن تواجه اتهامات بانتهاك العقوبات الأميركية والغربية، وهو ما قد يدفع شركات التأمين إلى رفض تغطيتها، ما يضع شركات الشحن أمام مخاطر مالية وقانونية معقدة.

وفي هذا الإطار، حذرت وزارة الخزانة الأميركية شركات الشحن من دفع أي رسوم أو مبالغ لإيران، فيما تفرض دول أوروبية عقوبات مماثلة، الأمر الذي يضيق هامش المناورة أمام الشركات الدولية العاملة في المنطقة.

وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده ترفض بشكل قاطع أي نظام رسوم في مضيق هرمز، مشدداً على ضرورة بقاء المضيق ممراً دولياً حراً لا يخضع لأي ابتزاز سياسي أو اقتصادي.

ويرى خبراء أن إيران، التي استخدمت على مدى سنوات التهديد بإغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط ضد الغرب، تحاول اليوم تطوير أدوات نفوذها عبر الانتقال من التهديد العسكري المباشر إلى محاولات فرض سيطرة اقتصادية تدريجية على حركة الملاحة.

ويحذر التقرير من أن نجاح إيران – حتى جزئياً – في فرض واقع جديد داخل مضيق هرمز قد يشجع دولاً أخرى على استخدام المضائق البحرية كورقة ضغط سياسية واقتصادية، وهو ما قد يفتح الباب أمام تحولات خطيرة في قواعد الملاحة الدولية التي استقرت لعقود.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه طهران تحديات اقتصادية متزايدة، خصوصاً مع تراجع قدرتها على تصدير النفط الخام نتيجة العقوبات والتوترات العسكرية، حيث تشير بيانات شركة "كبلر" إلى أن منشآت التخزين النفطية في جزيرة خارك، الميناء النفطي الرئيسي لإيران، بلغت أكثر من 80 في المئة من طاقتها الاستيعابية.

ويرى مراقبون أن الضغوط الاقتصادية المتصاعدة قد تدفع إيران إلى البحث عن أدوات جديدة لتعويض خسائرها وتعزيز حضورها الإقليمي، حتى وإن كان ذلك عبر خطوات تثير مخاوف المجتمع الدولي وتهدد استقرار التجارة العالمية.

وتبدو قضية "رسوم هرمز" أبعد من مجرد مقترح اقتصادي، إذ تعكس تصعيداً جديداً في معركة النفوذ والسيطرة على الممرات البحرية، وتؤشر إلى مرحلة قد تصبح فيها المضائق الدولية ساحة مفتوحة للابتزاز السياسي والاقتصادي، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الأمن البحري العالمي.