استئناف الرحلات الأممية إلى صنعاء.. العمل الإنساني رهينة بيد الحوثي

الحوثي تحت المجهر - منذ ساعتان
صنعاء، نيوزيمن:

في الوقت الذي تتصاعد فيه الانتهاكات الحوثية بحق العاملين في المجال الإنساني، وتستمر حملات الاختطاف والتضييق ومصادرة المساعدات، أعلنت الأمم المتحدة استئناف رحلاتها الجوية الإنسانية من وإلى العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، بعد توقف دام قرابة شهرين بسبب القيود التي فرضتها الجماعة على أنشطة المنظمات الدولية.

الخطوة التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها تهدف إلى "ضمان وصول المساعدات الإنسانية والعاملين في مجال الإغاثة إلى الفئات الأكثر احتياجًا"، فتحت في المقابل بابًا واسعًا من التساؤلات حول طبيعة التفاهمات التي أُبرمت مع الحوثيين، وما إذا كانت المنظمة الدولية قد اضطرت للقبول بشروط الجماعة مقابل استئناف نشاطها الإنساني في مناطق سيطرتها.

فاستئناف الرحلات لم يأتِ في ظل تحسن بيئة العمل الإنساني أو تراجع الانتهاكات، بل جاء بينما تواصل الجماعة واحدة من أوسع حملات القمع ضد المنظمات الدولية والعاملين الإنسانيين، في مشهد يعكس حجم المأزق الذي تواجهه المؤسسات الأممية داخل اليمن.

وكانت خدمة النقل الجوي الإنساني التابعة للأمم المتحدة قد أعلنت استئناف الرحلات عقب حصولها على "التصاريح المطلوبة" من الحوثيين، مؤكدة استمرار الربط الجوي بين عدن وصنعاء. غير أن هذه "التصاريح" نفسها تحولت خلال الأشهر الماضية إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي ومالي تستخدمها الجماعة لإخضاع المنظمات الدولية لشروطها.

فبحسب مصادر حقوقية وتقارير محلية، فرضت مليشيا الحوثي اشتراطات مالية وإدارية جديدة على الوكالات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، تضمنت إلزام تلك الجهات بسقف إنفاق لا يقل عن مليوني دولار سنويًا، إلى جانب التدخل المباشر في آليات التوظيف، وفرض قيود على حركة الموظفين، والتحكم بإدخال المعدات والتجهيزات، فضلًا عن السعي للرقابة على البرامج والمشاريع الإنسانية.

ويرى مراقبون أن الجماعة لم تعد تتعامل مع المساعدات الإنسانية باعتبارها ضرورة لإنقاذ ملايين اليمنيين، بل باعتبارها موردًا سياسيًا واقتصاديًا وأداة نفوذ يمكن توظيفها لخدمة مشروعها، سواء عبر التحكم بمسارات الدعم أو إعادة توجيه المساعدات بما يخدم شبكات الولاء التابعة لها.

وخلال السنوات الماضية، واجهت المليشيا اتهامات متكررة بنهب المساعدات الإغاثية أو الاستحواذ على جزء منها وتوزيعها وفق اعتبارات طائفية وسياسية، إضافة إلى فرض إتاوات غير قانونية على المنظمات الدولية، الأمر الذي دفع كثيرًا من الجهات المانحة إلى تقليص برامجها أو إعادة تقييم آليات عملها داخل مناطق سيطرة الحوثيين.

الأخطر من ذلك أن استئناف الرحلات الأممية يأتي بينما لا تزال الجماعة تحتجز نحو 73 موظفًا أمميًا وعاملًا في منظمات إغاثية وإنسانية، بينهم موظفون تابعون للأمم المتحدة وآخرون مرتبطون بالسفارة الأمريكية، بعضهم محتجز منذ سنوات في ظروف غامضة ودون إجراءات قضائية واضحة.

هذا الملف تحول إلى أحد أخطر التحديات التي تواجه العمل الإنساني في اليمن، إذ بات العاملون في المجال الإغاثي عرضة للاعتقال والاختطاف بمجرد الاشتباه أو توجيه اتهامات فضفاضة لهم بالتجسس أو "العمل لصالح أمريكا وإسرائيل"، وهي التهم التي باتت الجماعة تستخدمها بشكل متكرر لتبرير حملاتها الأمنية ضد المنظمات الدولية.

وفي موازاة ذلك، صعّد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي من خطابه العدائي تجاه المنظمات الأممية، متهمًا بعضها بالضلوع في "أنشطة استخباراتية"، في خطاب تعبوي اعتبره ناشطون تمهيدًا لمزيد من التضييق والقمع بحق العاملين في المجال الإنساني.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الأمم المتحدة في استئناف أنشطتها دون اشتراطات واضحة تتعلق بحماية موظفيها وضمان استقلالية العمل الإنساني، قد يُفهم باعتباره تراجعًا أمام سياسة الابتزاز الحوثية، ويمنح الجماعة فرصة إضافية لترسيخ هيمنتها على القطاع الإغاثي.

كما أن رضوخ المنظمات الدولية للقيود المفروضة قد يؤدي إلى تحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة خاضعة للحسابات السياسية والأمنية للجماعة، بدلًا من أن تصل بصورة عادلة وشفافة إلى ملايين المحتاجين الذين يعيشون ظروفًا كارثية بفعل الحرب والانهيار الاقتصادي.

ويرى حقوقيون أن الأمم المتحدة باتت تواجه اختبارًا حقيقيًا في اليمن؛ فإما أن تتمسك بمبادئ العمل الإنساني واستقلاليته وحياده، أو تجد نفسها تدريجيًا جزءًا من منظومة تفرضها جماعة مسلحة لا تتردد في استخدام المساعدات والموظفين والمنظمات كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية.

وفي ظل هذا الواقع المعقد، تبقى المخاوف قائمة من أن يؤدي استمرار الصمت الدولي تجاه الانتهاكات الحوثية إلى مزيد من تآكل بيئة العمل الإنساني، وتحويلها إلى مساحة خاضعة بالكامل لسلطة الجماعة، بما يهدد مستقبل المساعدات الإنسانية ومصير ملايين اليمنيين الذين يعتمدون عليها للبقاء على قيد الحياة.