أراضي الأوقاف.. غنيمة حوثية وبوابة الثراء الفاحش

السياسية - منذ 3 ساعات و 5 دقائق
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

في الوقت الذي يفترض أن تمثل فيه أراضي الأوقاف ملكية عامة مخصصة لخدمة المجتمع وتمويل الأعمال الخيرية والتنموية، تحولت خلال السنوات الأخيرة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي إلى واحدة من أكثر القطاعات عرضة للنهب والاستحواذ المنظم، وسط اتهامات متزايدة لقيادات نافذة داخل الجماعة باستخدام مؤسسات الأوقاف كغطاء للسيطرة على الأراضي والعقارات وتوظيفها لتحقيق مصالح خاصة وتكوين ثروات ضخمة.

وتكشف حادثة جديدة شهدتها محافظة إب جانباً من هذه الممارسات، بعد اتهام نافذ حوثي بالاستيلاء على أرض وقفية في مديرية مذيخرة وتحويلها إلى مصدر دخل شخصي، في واقعة يقول مراقبون إنها ليست سوى حلقة ضمن سلسلة طويلة من الاعتداءات التي طالت أملاك الوقف والأراضي العامة منذ سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة عام 2014.

وقالت مصادر محلية إن نافذاً حوثياً يُدعى أحمد عبده علي استولى بالقوة على أرض وقفية تقع في منطقة خميس الأفيوش بمديرية مذيخرة غرب محافظة إب، قبل أن يقوم بتأجير أجزاء منها لباعة ومتاجر محلية، من بينهم بائعو دواجن، مستغلاً نفوذه وعلاقاته داخل الأجهزة التابعة للجماعة.

وأضافت المصادر أن عملية الاستيلاء تمت بعيداً عن أي إجراءات قانونية أو شرعية، وبما يتعارض مع طبيعة الأرض الوقفية التي يفترض أن تظل مخصصة للأغراض التي أوقفت من أجلها، مشيرة إلى أن الواقعة جرت وسط اتهامات بتواطؤ مسؤولين محليين في مكتب الأوقاف بالمديرية.

ووفقاً للمصادر، فإن مدير مكتب الأوقاف المعين من قبل الحوثيين في المديرية لم يتخذ أي إجراءات لوقف الاعتداء أو حماية الأرض الوقفية، رغم الشكاوى المتكررة من الأهالي، الأمر الذي عزز الشكوك حول وجود شبكة مصالح تربط بين بعض مسؤولي الأوقاف والنافذين المستفيدين من الاستحواذ على تلك الممتلكات.

نهب ممنهج يتجاوز حدود إب

ولا تبدو حادثة مذيخرة استثناءً في المشهد القائم، إذ تشهد محافظة إب منذ سنوات موجة واسعة من الاعتداءات على أراضي الأوقاف والممتلكات العامة، في ظل اتهامات متكررة لقيادات حوثية ونافذين محليين بالاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي وتحويلها إلى مشاريع استثمارية أو بيعها والاستفادة من عائداتها.

ويقول متابعون إن ما يجري في إب يتكرر بصورة مشابهة في صنعاء وذمار والحديدة ومحافظات أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث تحولت هيئة الأوقاف إلى واحدة من أكثر المؤسسات نفوذاً في ملف الأراضي والعقارات.

وتصاعدت المخاوف خلال الأيام الماضية مع تجدد أزمة الأراضي في منطقة "عصر" غرب صنعاء، بعد تحركات جديدة للهيئة العامة للأوقاف التابعة للحوثيين لإعادة تصنيف مساحات واسعة من الأراضي الخاصة باعتبارها "أوقافاً عامة"، استناداً إلى روايات ووثائق تاريخية محل خلاف بين السكان والسلطات التابعة للجماعة.

وأثار افتتاح مكتب جديد للهيئة في المنطقة احتجاجات واسعة بين الأهالي الذين اعتبروا الخطوة تمهيداً للاستيلاء على ممتلكاتهم وفرض واقع عقاري جديد يهدد حقوق الملكية المستقرة منذ عقود طويلة.

وأكد وجهاء وسكان المنطقة رفضهم القاطع لهذه الإجراءات، مشددين على أن الهيئة لم تقدم وثائق قانونية حاسمة تثبت ملكيتها للأراضي محل النزاع، محذرين من أن استمرار هذه السياسات قد يفجر نزاعات اجتماعية وقبلية واسعة في واحدة من أكبر ضواحي صنعاء.

ومنذ إنشاء ما يسمى بـ"الهيئة العامة للأوقاف" مطلع عام 2021، منحت الجماعة الهيئة صلاحيات واسعة في حصر الأراضي وإدارتها والتصرف بعائداتها، تحت مبرر حماية أملاك الوقف والحفاظ عليها.

لكن مراقبين يرون أن الدور الفعلي للهيئة تجاوز هذه الأهداف المعلنة، ليتحول إلى أداة تستخدمها الجماعة لإعادة رسم خريطة الملكية العقارية في مناطق سيطرتها، وتعزيز نفوذها الاقتصادي من خلال السيطرة على أصول وأراضٍ واسعة النطاق.

ويشير مختصون إلى أن الحوثيين عملوا منذ سيطرتهم على مؤسسات الدولة على إحكام قبضتهم على القطاعات المرتبطة بالأراضي والأوقاف والزكاة، عبر إنشاء كيانات وهيئات تديرها شخصيات موالية للجماعة، ما منحها قدرة واسعة على الطعن في ملكيات مستقرة وإعادة تفسير الوثائق والسجلات العقارية بما يخدم مصالحها.

ويرى خبراء أن هذه السياسات لا تستهدف تحقيق مكاسب مالية فقط، بل تستخدم أيضاً كوسيلة لإخضاع المجتمعات المحلية وإضعاف قدرتها على الاعتراض أو المقاومة، خصوصاً في المناطق القبلية التي تمثل الأرض فيها أساساً للمكانة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.

ثروات تتضخم وحقوق تتآكل

ويؤكد مراقبون أن عمليات الاستيلاء على أراضي الأوقاف والعقارات الخاصة أسهمت في تكوين ثروات ضخمة لعدد من القيادات الحوثية والنافذين المرتبطين بها، الذين باتوا يسيطرون على مساحات واسعة من الأراضي والعقارات التجارية والاستثمارية.

وفي المقابل، يدفع المواطنون الثمن من خلال فقدان ممتلكاتهم أو الدخول في نزاعات طويلة تفتقر إلى الضمانات القانونية، في ظل هيمنة الجماعة على المؤسسات القضائية والإدارية وغياب أي آليات مستقلة للرقابة أو المساءلة.

كما انعكست هذه الممارسات سلباً على البيئة الاستثمارية، حيث أدى تراجع الضمانات القانونية المتعلقة بالملكية الخاصة إلى إحجام كثير من المستثمرين ورجال الأعمال عن ضخ استثمارات جديدة، خوفاً من التعرض لمنازعات أو قرارات مصادرة مفاجئة.

ويحذر مختصون من أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى تغييرات عميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية لمناطق سيطرة الحوثيين، عبر نقل مساحات واسعة من الثروة العقارية إلى دائرة ضيقة من المنتفعين المرتبطين بالجماعة، بما يفاقم حالة الاحتقان الاجتماعي ويعمق الشعور بالظلم لدى قطاعات واسعة من السكان.

ومع تزايد شكاوى المواطنين من الاعتداءات على الأراضي والأوقاف، تتعاظم المخاوف من أن تتحول هذه الظاهرة إلى واقع دائم يصعب معالجته مستقبلاً، خصوصاً في ظل غياب القضاء المستقل واستمرار استخدام مؤسسات يفترض أنها وجدت لحماية الحقوق العامة، كأدوات لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي وتحقيق الثراء على حساب ممتلكات المجتمع وحقوق أفراده.