العجز الحكومي يعمّق أزمة الكهرباء ويهدد عدن بمزيد من المعاناة

الجنوب - منذ 11 ساعة و 5 دقائق
عدن، نيوزيمن، تقرير خاص:

تتجه العاصمة عدن نحو مواجهة واحدة من أخطر أزماتها الخدمية خلال السنوات الأخيرة، بعد إعلان قطاع العقلة النفطي بمحافظة شبوة وقف إمدادات النفط الخام المخصصة لتشغيل محطة الرئيس "بترومسيلة" ابتداءً من اليوم الثلاثاء، في خطوة قد تفتح الباب أمام موجة جديدة من الانهيار في منظومة الكهرباء المتداعية أصلاً.

ويأتي القرار في توقيت بالغ الحساسية، إذ تعيش المدينة موجة حر شديدة رفعت مستويات الطلب على الطاقة إلى معدلات قياسية، بينما يعتمد مئات الآلاف من السكان على الكهرباء لتشغيل أجهزة التبريد والتخفيف من وطأة الأجواء الخانقة التي حولت حياة المواطنين إلى معاناة يومية متواصلة.

أزمة مالية تتحول إلى أزمة وطنية

بحسب البيان الصادر عن إدارة قطاع العقلة، أمس الثلاثاء، فإن قرار إيقاف نقل النفط الخام إلى العاصمة عدن جاء نتيجة استمرار عدم صرف المستحقات المالية المتراكمة للقطاع، بما في ذلك رواتب الموظفين المتأخرة منذ ستة أشهر، رغم صدور توجيهات رسمية سابقة تقضي بصرفها من موازنة القطاع.

وأوضح القطاع أن استمرار تجاهل هذه الالتزامات المالية بات يشكل تهديداً مباشراً لاستمرارية العمل والإنتاج، ويؤثر على جاهزية المنشآت النفطية والمعدات التشغيلية التي يعتمد عليها القطاع في أداء مهامه.

ويكتسب البيان أهمية خاصة كونه يصدر عن قطاع حيوي تولى كوادره المحلية مسؤولية تشغيل وإدارة المنشآت النفطية بعد مغادرة الشركة الأجنبية المشغلة خلال السنوات الماضية، في ظروف معقدة فرضتها الحرب والتحديات الاقتصادية والأمنية.

كهرباء عدن.. الحلقة الأضعف

لا يقتصر تأثير القرار على قطاع النفط وحده، بل يمتد مباشرة إلى قطاع الكهرباء الذي يعاني أصلاً من أزمات مزمنة. فمحطة الرئيس "بترومسيلة" تعد اليوم المحطة الرئيسية والأكبر التي تعتمد على النفط الخام في عدن، في وقت خرجت فيه معظم محطات التوليد العاملة بالديزل والمازوت عن الخدمة أو تعمل بقدرات محدودة نتيجة نقص الوقود وغياب الصيانة.

>> قرار منع سفر المسؤولين.. هالة إعلامية تتجدد لامتصاص غضب الشارع

ويعني توقف إمدادات النفط الخام احتمال تراجع القدرة التوليدية بشكل كبير، الأمر الذي قد ينعكس مباشرة على ساعات التشغيل والانطفاء خلال الأيام المقبلة، خصوصاً إذا لم يتم احتواء الأزمة بشكل عاجل.

ويرى مراقبون أن الخطورة لا تكمن فقط في توقف الإمدادات، بل في هشاشة المنظومة الكهربائية التي أصبحت تعتمد على عدد محدود من المحطات ومصادر الوقود، ما يجعل أي خلل في سلسلة الإمداد كفيلاً بإحداث انهيار واسع في الخدمة.

من حضرموت إلى شبوة.. رحلة البحث عن الوقود

وتكشف الأزمة الحالية حجم التعقيدات التي تحيط بملف الكهرباء في عدن. فمحطة الرئيس كانت تعتمد في السابق على النفط الخام القادم من محافظة حضرموت، قبل أن تتغير آلية التزويد عقب اتخاذ ترتيبات مالية جديدة تضمنت بيع النفط الخام المخصص للكهرباء، الأمر الذي دفع الجهات المعنية إلى الاعتماد على إمدادات قطاع العقلة النفطي بمحافظة شبوة لتشغيل المحطة.

>> حكومة "الزنداني".. غياب عن الواقع وحل الأزمات بالوعود

وبذلك أصبح القطاع يمثل شرياناً رئيسياً لتغذية كهرباء عدن بالنفط الخام، ما يفسر حجم القلق الذي أثاره قرار الإيقاف بين الأوساط الشعبية والرسمية.

فشل المعالجات الحكومية

الأزمة الجديدة أعادت إلى الواجهة التساؤلات حول قدرة الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي على إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد.

فعلى الرغم من التحذيرات المتكررة التي أطلقتها المؤسسات النفطية والكهربائية خلال الأشهر الماضية بشأن التحديات المالية والتشغيلية، إلا أن المعالجات الحكومية ظلت محدودة وعاجزة عن بناء حلول مستدامة تضمن استقرار الخدمة الكهربائية.

>> دعم سعودي جديد للحكومة يعيد التساؤلات بشأن مصير المنح السابقة

ويؤكد مراقبون أن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف مالي بين جهة نفطية ومؤسسات حكومية، بل نتيجة تراكمات طويلة من سوء الإدارة وغياب التخطيط الاستراتيجي لقطاع الطاقة، الأمر الذي جعل العاصمة الاقتصادية للبلاد رهينة للأزمات الطارئة والقرارات الاضطرارية.

معاناة إنسانية تتفاقم

وفي شوارع عدن وأحيائها السكنية، تبدو آثار الأزمة أكثر وضوحاً من أي بيانات أو أرقام رسمية.

فخلال الأيام الماضية شهدت المدينة موجة احتجاجات شعبية غاضبة احتجاجاً على تدهور خدمة الكهرباء، فيما اضطر كثير من السكان إلى افتراش الأرصفة والشوارع والساحات العامة هرباً من درجات الحرارة المرتفعة داخل المنازل التي تحولت إلى ما يشبه الأفران نتيجة الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي.

وتزداد المخاوف من أن يؤدي توقف إمدادات النفط الخام إلى مضاعفة ساعات الانطفاء، بما يفاقم الأعباء المعيشية والصحية على المواطنين، خاصة كبار السن والأطفال والمرضى.

>> عودة الرحلات الدولية إلى اليمن.. ادعاء حكومي بلا معطيات

سباق مع الزمن

حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر وزارة النفط أو السلطة المحلية في محافظة شبوة أي إعلان رسمي يتضمن حلولاً عملية لمعالجة الأزمة أو جدولاً زمنياً لصرف المستحقات المتأخرة، كما لم يكشف قطاع العقلة عن المدة المتوقعة لاستمرار قرار وقف الإمدادات.

وفي ظل هذا الغموض، تبدو عدن أمام سباق حقيقي مع الزمن لتجنب انهيار جديد في خدمة الكهرباء قد تكون تداعياته هذه المرة أكثر قسوة من أي وقت مضى.

فإذا كانت أزمة المستحقات المالية قد دفعت قطاعاً نفطياً حيوياً إلى وقف الإمدادات، فإن استمرار التأخير في المعالجة قد يدفع المدينة بأكملها إلى مواجهة صيف استثنائي من العتمة والحرارة والمعاناة، في وقت لم يعد المواطنون يحتملون المزيد من الأزمات المتراكمة.