حسين الوادعي

حسين الوادعي

تابعنى على

لماذا لم يدخل الحوثيون على خط المواجهة؟

Friday 06 March 2026 الساعة 09:20 pm

سؤال مطروح بقوة، وظهرت حتى الآن إجابتان لا أتفق معهما:

الأولى تقول إنهم تأخروا متعمدين بانتظار اللحظة المناسبة عندما تقرر إيران ذلك.

والثانية ترى أنهم صاروا عاجزين عن أي رد، وأن لا مخرج أمامهم غير الاستسلام وتسليم العاصمة للحكومة الشرعية.

الإجابة الأولى خاطئة لأنها تنطلق من وهم امتلاك الحوثي لقوة “شمشونية” لا تُمس ولا تهتز، وجاهزة في الوقت الذي يحددونه هم. كما أنها تتوهم أن إيران لا تزال لديها خطة واستراتيجية، وأنها قادرة على تأجيل تدخل أهم وكلائها بينما جهازها العصبي وقياداتها قد استُؤصلت، وبنيتها العسكرية والأمنية تُمسح من الوجود!

والإجابة الثانية تتجاهل أن الحوثيين فقدوا قوة إيران، لكن لا يزال لديهم قوتهم الداخلية. هم أضعف بكثير اليوم، لكن لا يزال لديهم أوراق يلعبونها.

ورأيي أن قرار عدم الدخول حتى الآن هو قرار حوثي مجبرين عليه، رغم وجود ظروف قاهرة تحتم دخولهم المواجهة من أول يوم لنصرة سيدهم. والاستمرار في عدم دخولهم الحرب مرتبط بقدرتهم على الاستمرار في التهرب من الضغوط العقائدية والسياسية والنجاة برؤوسهم من مقصلة محتومة.

يبدو سلوك الحوثيين مختلفاً تماماً عن سلوكهم عندما قرروا قصف السفن التجارية في البحر الأحمر. وسبب التغير أنهم في ذلك الحين كانوا يتصرفون بعقلية “ليس لدينا ما نخسره”، خاصة وأنهم جماعة “شبح” بلا مقرات رسمية ولا معسكرات يمكن استهدافها.

لكن الضربات الأمريكية والإسرائيلية المدعومة بمعلومات استخباراتية مذهلة تمكنت من اختراق المنظومة الحوثية السرية واصطياد الرؤوس الكبيرة المسؤولة عن عملياتها العسكرية الإقليمية. وقد تمكنت أمريكا من تحييد الخبراء الذين دربهم الحرس الثوري على استهداف حركة الملاحة، كما دمرت أغلب التكنولوجيا اللازمة لذلك.

كما أن إيران كانت تلعب دوراً مسانداً لا غنى عنه لتمكين الحوثيين من استهداف السفن (معلومات استخباراتية، سلاح، وأحياناً كان الحرس الثوري ينفذ الهجوم وتتبناه الميليشيا الحوثية لتجنيب إيران مغبة رد الفعل).

في ظل انشغال إيران برؤوسها المتساقطة، تتضاءل قدرة الحوثيين على تكرار عملية استهداف الملاحة البحرية. والبديل الأقرب هو قصف القواعد الأمريكية في السعودية والخليج، وهو خيار أكثر أماناً لأنه لن يستجلب غضب أمريكا، لكنه محفوف بالمخاطر على المستوى البعيد، خاصة وأنه سيدفع السعودية لاستئناف الحرب ضد الحوثي بعد أن كانت قد جمدتها.

لكن العامل الأهم هو أن تدخل الحوثي لن يفيد إيران بشيء بعد أن استنفذت إيران كل أوراقها، بما في ذلك قصف منابع الطاقة في الخليج ومحاولة إغلاق مضيق هرمز الفاشلة.

كانت فائدة الحوثيين أنهم يقاتلون نيابة عن إيران ويتلقون الصفعات نيابة عنها، لكن حتى هذا الدور الرخيص لم يعد له قيمة.

هناك عامل داخلي مهم لتحفظ الحوثيين عن التدخل، وهو أنهم سيخسرون الكثير وسيضعون أنفسهم في حربهم الوجودية الأخيرة، فيما بإمكانهم أن يحتفظوا بما تحت أيديهم حالياً، وهو كثير جداً مقارنة بقدراتهم الحقيقية بدون إيران.

يختلف الحوثي عن حزب الله في أن وجودهم ليس مرتبطاً بوجود نظام الملالي. فرغم أن المال والسلاح الإيرانيين ضروريان للحوثي، إلا أنه قادر على الاستمرار بدونهما، لكن مع أهداف أكثر تواضعاً ومحصورة داخل حدود شمال اليمن.

كما أن السعودية ألغت فعلياً خيار الحرب ضد الحوثي، ووضعت أمامه خيار دخول بيت الطاعة مقابل الاعتراف بسيطرته والدخول في حكومة مشتركة مع القوى اليمنية الأخرى، في ظل احتفاظ كل طرف فيها بمناطق نفوذه.

يتخوف الحوثي من دخول المواجهة لأن إمكانياته أقل بكثير مما كانت عليه قبل مواجهات البحر الأحمر، كما أن لديه ما يخسره لو دخل في مواجهة تستجلب غضب أمريكا. وتظل لديه فرصة البقاء حتى لو سقط نظام الملالي أو انشغل بحدوده الداخلية.

لا أدري إلى متى سيصمد الحوثي ويستمر في تجنب سيناريو الدخول الانتحاري في المواجهة، لكن هذه الحرب ليست طويلة، وأسـابيعها محدودة، وتدخله اليوم متأخر جداً، ولن يفسد شيئاً ولن يشكل أكثر من حركة استشهادية عدمية وقع فيها حزب الله.

ما بعد السقوط الحتمي للقوة العسكرية الإيرانية سيدفع الحوثيين نحو التركيز على البعد الداخلي فقط، وتغيير شكلهم إلى حركة جهادية أقل وسياسية أكثر.. لكن ليس في القريب العاجل، فلديها من الاوهام ما يحتاج وقتاً للسقوط!

من صفحة الكاتب على الفيسبوك