لم تعد الهجمات الإيرانية على دول الخليج مجرد حوادث أمنية متفرقة، بل تحوّلت إلى اختبار يومي لصلابة الموقف السياسي الخليجي وقدرته على تحويل الخطر إلى موقف موحّد. فالقذيفة الواحدة، مهما بدت محدودة عسكريًا، تحمل في جوهرها دلالات سيادية وإستراتيجية عميقة، وتفرض ردًا يتجاوز الحسابات التكتيكية الضيقة إلى مستوى الوضوح السياسي والردع المعنوي. غير أن المشهد الخليجي يكشف عن تباين لافت بين خطاب صريح يسعى إلى تحميل طهران كلفة سلوكها، وخطاب أكثر حذرًا يوازن بين الإدانة والدعوة إلى التهدئة. وبين هذين النهجين، يتشكل سؤال محوري: هل يكفي الحذر الدبلوماسي لردع اعتداء يتكرر يوميّا، أم أن المرحلة تفرض إعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسي مع إيران؟
هناك دول ما تزال تأمل أن تراعي إيران حق الجيرة والمشترك الديني والمعيشي، وتتوقف عن اعتداءاتها رغم مرور أكثر من شهر على بداية العدوان، ولذا فهي تحسب كل كلمة تقولها، وتركّز في بياناتها وتصريحات مسؤوليها على التذكير بالمشترك. الإمارات هي الدولة الوحيدة التي أظهرت موقفًا حاسمًا ضد الضربات الإيرانية، ووجّهت انتقادات علنية لطهران، وطالبت بأن يشمل أي اتفاق لوقف إطلاق النار ضمانات قوية بعدم تكرار العدوان الإيراني، مع المطالبة بتعويضات على الدمار الذي ألحقه الإيرانيون بمنشآت ومؤسسات خليجية، وليس فقط إماراتية.
أكد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، في أكثر من مناسبة، أن “أمن الملاحة في مضيق هرمز خط أحمر لا يمكن التهاون فيه”، مشددًا على أن “أي ترتيبات مستقبلية لخفض التصعيد يجب أن تتضمن آليات واضحة للمساءلة، بما في ذلك التعويض عن الأضرار”. كما أشار مسؤولون إماراتيون إلى أن “حرية الملاحة مسؤولية دولية مشتركة”، في تلميح واضح إلى الاستعداد للانخراط في ترتيبات أمنية متعددة الأطراف، وهو ما يعزز صورة أبوظبي كفاعل إقليمي ودولي مؤثر في جهود وقف الحرب.
وتعكس هذه اللغة انتقالًا من مجرد القلق إلى محاولة فرض كُلفة سياسية على السلوك الإيراني. لا يمكن أن يمر الاستهداف الممنهج بأكثر من ثمانين في المئة من الصواريخ والمسيّرات على دول الخليج دون إبداء موقف واضح يحمّل إيران المسؤولية السياسية والقانونية والشعبية، ويقيم عليها الحجة راهنًا ومستقبلًا.
يسهّل الصمت مهمة إيران، ويخفف عنها العبء السياسي والإعلامي والأخلاقي، خاصة أن الأمر يوحي بأن القضية محدودة ويمكن تطويقها، وأنها لا تستدعي التضخيم في ظل وجود إعلام خليجي مشتت الأجندات. هناك إعلام مرتبك، وآخر بلا تأثير، وثالث يقوم بالتغطية لحظة بلحظة في انحياز واضح لإيران، ويراعي في ذلك اعتبارات، منها ما يتعلق باستقطاب المتلقي العربي وتنفيذ سياسة “الحياد” كسبب معلن، لكن ما يخفى عن الأنظار هو أن هناك توجهات لتجنب أي احتكاك ولو كلامي مع إيران، وتلافي ردّات فعل استعراضية من نظام فقد، خلال شهر من الحرب، ميكانيزمات التفكير السياسي العقلاني.
الصوت الخافت أو الانتقاد المحدود، والخطاب الذي يتحدث عن النفس ولا يهتم لأمر الجيران، كلها عناصر لم تُفضِ حتى الآن إلى وقف العدوان أو تخفيفه عن أي من بلدان الخليج. وعلى العكس من ذلك، فإن مثل هذا الخطاب الناعم يقدّم إيران كما لو أنها على حق، ويضفي شرعية على مزاعمها بأن ما تفعله لا يتجاوز استهداف القواعد الأجنبية، في حين أن ما تفعله اتّسع ليشمل مختلف مناحي الحياة، باستهداف منشآت نفطية وأخرى اقتصادية ومدنية.
كما أن وجود منصات أسلحة أجنبية على أرض أي بلد في العالم لا يجيز لأي كان استهدافه تحت مظلة الدفاع عن النفس، فلم تشترِ دول الخليج منظومات الدفاع المتطورة وأسراب الطائرات والأسلحة المتقدمة إلا بسبب الخطاب العدائي الإيراني. لو شعر الخليجيون بأن شريكتهم في الجغرافيا والدين والجيرة بلدٌ مسالم ويؤمَن جانبه، لما فكروا في شراء أسلحة، ولا في الرهان على مظلة الدفاع الأميركية، ولا نوّعوا مشتريات الأسلحة من بلد إلى بلد. إيران نفسها تشتري الأسلحة من دول مختلفة، ولديها ترسانة بعضها روسي والآخر صيني والثالث أميركي مستصلح ومطوّر، فهل من حقها وحدها تجميع السلاح وتكديس الترسانة واستهداف الجيران؟
تكشف ردود الفعل الخليجية عن إدراك متفاوت لطبيعة التهديد الإيراني. فبينما ترى أبوظبي أن السلوك الإيراني في الممرات البحرية يمثل تحديًا مباشرًا للنظام الإقليمي، تميل عواصم أخرى إلى اعتباره حدثًا عارضًا يمكن التعامل معه عبر القنوات السياسية.
على المستوى الإستراتيجي، أي ما بعد نهاية الحرب، فإن الموقف الضعيف، الذي يسعى لكسب ود الجار المعتدي وعدم إثارة غضبه، يفسح المجال أمام إيران للاستمرار في استعراض القوة وممارسة الضغوط لتحصيل مكاسب على حساب أمن الخليج ومصالح بلدانه، والتدخل، بمناسبة ودون مناسبة، لفرض توجهاتها على المحيط الجغرافي تحت يافطة العداء لإسرائيل. ولذلك من المهم أن يتحرك الخليجيون عبر منصة إسلام آباد أو غيرها، لاشتراط أن يتضمن أي اتفاق لوقف الحرب بنودًا واضحة، وعلى رأسها التزام إيران بعدم التعرض عسكريّا لجيرانها، والتعهد بعدم التدخل في شؤونهم، أو الاشتغال على بناء ميليشيات لاستهداف أمنهم واستقرارهم.
كانت تصريحات قرقاش القوية، الأحد، بشأن مطالبة إيران بالضمانات والتعويضات، رسالة إلى اجتماع إسلام آباد، الذي عُقد يومها، وإلى الوسيط الباكستاني الذي يبحث عن وقف الحرب، ومفاد هذه الرسالة أن الاتفاق مع الخليجيين يجب أن يكون جزءًا أساسيّا من أي اتفاق، ولا يكفي وقف الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران لنتحدث عن انفراجة أو تهدئة. هناك حربان وليستا حربًا واحدة، وأي وساطة يجب أن تفكر في حل واقعي ومستدام لهما، وليس فقط في كيفية إنقاذ طرف والاستفادة من هذا الدور للحساب الخاص في مرحلة لاحقة.
ويقلل مراقبون من فرص نجاح الوساطة الباكستانية ودور الرباعية الإسلامية، مشيرين إلى أن هدفها محدود وينحصر في تنشيط المساعي لوقف الحظر الذي تفرضه إيران على عبور النفط في مضيق هرمز، ولذلك تأتي أفكار الوساطة ضمن هذا السياق، ولا تعالج الأزمة بمختلف جوانبها، خاصة ما يتعلق بالعدوان الإيراني على دول الخليج.
يفترض من الوسطاء أن يعلنوا على الملأ عن الأفكار التي يدفعون بها للتوصل إلى التهدئة، بدلًا من تحرك غير واضح يمكن أن يُؤوَّل على أنه تحرك إما لإنقاذ الولايات المتحدة أو إيران، في حين أن القضية معقدة وتشمل طرفًا ثالثًا يتم تجاهله، أي دول الخليج، التي تدفع نحو استصدار موقف إقليمي ودولي حاسم لإدانة إيران، وهو ما لا تقدر عليه الوساطة الرباعية الحالية.
وما يُلاحظ في الجانب الإماراتي هو سعيه في هذه الحرب إلى تأسيس خطاب يقوم على الندية؛ إيران تطالب بالتعويضات من هجوم أميركا وإسرائيل عليها، ومن المنطقي والعادل أن تطالب الإمارات بتعويضات من إيران في غياب أي مسوغات قانونية لهذا العدوان، وخاصة بعد أن سحب الخليجيون الذرائع من يدها، إذ لم يردوا على العدوان عسكريّا، وهم يكتفون بالدفاع، ما يجعل الحجة السياسية والدينية والأخلاقية معهم.
من حق إيران أن تخوض حربًا مع إسرائيل، وأن تكيّفها كما تريد في سياق سعيها لتأسيس نفوذ إقليمي، لكن ليس من حقها افتعال المبررات والذرائع لاستهداف الخليج، ومن حق الخليجيين أن يقدموا سردية تكشف خطر إستراتيجية إيران في التعامل مع أمنهم القومي ومع وجودهم على المدى البعيد.
في المحصلة، لا يبدو أن سياسة الصوت الخافت أو الرهان على حسن النوايا قادرة على كبح سلوك إيراني أثبت، خلال أسابيع من التصعيد، أنه يتغذى على الفراغ السياسي بقدر ما يستفيد من التردد الإقليمي. فالتاريخ القريب يشير بوضوح إلى أن غياب موقف خليجي صارم ومتماسك لا يخفف من حدة التهديد، بل يمنحه هامشًا أوسع للمناورة وفرض الوقائع. ومن هنا، فإن ما تحتاجه المنطقة ليس فقط وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، بل إعادة صياغة معادلة الردع على أسس واضحة: مساءلة، وضمانات، وكلفة سياسية وقانونية لأي اعتداء. دون ذلك، ستبقى أي تهدئة هشّة، وأي وساطة منقوصة، فيما يستمر أمن الخليج رهينة لتقديرات طرف لا يبدو أنه يراجع حساباته إلا تحت ضغط حقيقي ومباشر.
* صحيفة العرب اللندنية
>
