خيرالله خيرالله

خيرالله خيرالله

تابعنى على

إيران تهرب من استحقاقات ما بعد الحرب

منذ ساعتان و 31 دقيقة

تهرب إيران من استحقاقات ما بعد الحرب الدائرة حاليا وما سيترتّب عليها. تطمح إلى تحويل الهزيمة إلى انتصار. لذلك تروّج لفكرة أنّها انتصرت في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. تنطلق من هذا الافتراض الخاطئ كي تفرض شروطها عليهما وعلى المنطقة والعالم. هل انتصرت “الجمهوريّة الإسلاميّة” فعلا كي تضع شروطها كما يحصل عادة في نهاية الحروب؟  لم تنتصر إيران. لو انتصرت بالفعل لما كانت الحرب تدور حاليا في داخل إيران نفسها بدل أن يكون ذلك في مختلف أنحاء المنطقة. يمكن استثناء لبنان الذي يتعرّض لحرب فُرضت عليه فرضا لأسباب إيرانيّة جعلت البلد الصغير في وضع مأساوي. يدفع لبنان ثمن الإصرار الإيراني على الترويج لفكرة أن “الجمهوريّة الإسلاميّة” تستطيع إشعال المنطقة!

في نهاية الحرب العالميّة الثانية التي انتصرت فيها الولايات المتحدة مع حلفائها الأوروبيين على ألمانيا واليابان. كانت النتيجة استسلام هذين البلدين وفق شروط أميركيّة وسوفياتية في ضوء الدور الذي لعبته موسكو في دحر جيوش أدولف هتلر. قبضت موسكو ثمن صمودها في وجه الألمان ثم ثمن دخول “الجيش الأحمر” برلين قبل غيره.

لم تنته الحرب الدائرة حاليا بانتصار إيراني كي تفرض “الجمهوريّة الإسلاميّة” شروطها. ما يحدث، على الصعيد الإيراني، يتمثّل في سعي إلى تفادي التعاطي مع النتائج الحقيقيّة المعروفة لحرب لم تضع بعد أوزارها. كلّ ما في الأمر أن طهران تعمل من أجل تأجيل استحقاقات الحرب. تعمل على ذلك عبر خلق قضيّة اسمها مضيق هرمز. لا شكّ أن نجاح إيران في إغلاق المضيق ترك آثاره على العالم كلّه. لكن العبرة ستكون عندما ستظهر نتائج الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية ردا على إغلاق هرمز.

لا يمكن لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” الانتصار في الحرب التي تخوضها حاليا. كلّ ما تستطيعه يتمثّل في تأجيل قبولها بالهزيمة التي لحقت بها. هذا لا يمنع من الاعتراف بأنّ إغلاق مضيق هرمز شكّل نجاحا إيرانيا محدودا نظرا إلى الاهتمام العالمي بهذا التطور ونتائج ذلك على الاقتصاد الدولي. لكنّ الذي سيحصل عاجلا أم آجلا أنّ الأسباب التي أدت إلى اندلاع الحرب لن تغيب المشهد السياسي والعسكري. في مقدّم هذه الأسباب الدور الذي تلعبه “الجمهوريّة الإسلاميّة” في مجال ضرب الاستقرار في المنطقة والسعي إلى لعب دور الدولة المهيمنة من خلال ميليشيات مذهبيّة منتشرة في لبنان والعراق واليمن، كما كانت إلى ما قبل فترة قصيرة في سوريا.

 بكل بساطة، لن تتمكن إيران من إلهاء العالم، إلى ما لا نهاية، عن الملفات التي لا بدّ من معالجتها. يبدأ ذلك، في طبيعة الحال، بالملفّ النووي الإيراني وكميات اليورانيوم المخصّب التي تمتلكها “الجمهوريّة الإسلاميّة” والتي يمكن أن تستخدم في صنع قنبلة نووية. لا بدّ أن تنتهي الأمور بالبحث في مستقبل الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنصاتها ومصير أذرع “الحرس الثوري” في المنطقة، خصوصا مصير “حزب الله” في لبنان.

لا يمكن إلهاء العالم، والولايات المتحدة تحديدا، بمضيق هرمز ولعبة الابتزاز التي يمارسها “الحرس الثوري”. لا يتحمّل العالم قنبلة نووية إيرانيّة، خصوصا عالم ما بعد حرب غزّة وهجوم “طوفان الأقصى” الذي فاجأ إسرائيل يوم السابع من تشرين الأول – أكتوبر من العام 2023. بعد هذا التاريخ، تغيّرت إسرائيل كلّيا. كذلك تغيّرت الولايات المتحدة، خصوصا في ضوء الارتباط بين “حماس”، التي نفذت “طوفان الأقصى” من جهة و”الحرس الثوري الإيراني” من جهة أخرى.

بكلام أوضح، لم تعد هناك ثقة بإيران وبكلّ من تربطه علاقة بها بسبب “طوفان الأقصى”. بالنسبة إلى أميركا وإسرائيل، يشكلّ الهجوم الذي استهدف المستوطنات القائمة في غلاف غزّة، وما أسفر عنه ذلك من سقوط قتلى واحتجاز رهائن، دليلا على أن ليس في الإمكان المخاطرة في شأن كلّ ما له علاقة بامتلاك “الجمهوريّة الإسلاميّة” للسلاح النووي يوما.

إلى متى تنجح إيران في  الهرب من استحقاقات الحرب بعدما انتقلت هذه الحرب إليها؟ لا مجال لاستمرار عملية الهرب. لا يعود ذلك إلى العاملين الأميركي والإسرائيلي وحجم النفوذ الإسرائيلي في واشنطن فحسب، بل يتعلّق الأمر أيضا بتحوّل إيران إلى خطر على دول المنطقة أيضا. مثل هذا الأمر ليس جديدا، لكنّ الجديد يكمن في أنّ الدول العربيّة تخلت عن أي نوع من التردد في هذا الشأن. إذا كان من درس يمكن استخلاصه من الحرب الدائرة حاليا، فإن هذا الدرس يتمثل في أن “الجمهوريّة الإسلاميّة” تعتقد أن قدرتها على إيذاء دول الخليج، مع تركيز خاص على دولة الإمارات العربيّة المتحدة والبحرين والكويت، يشكل أفضل ردّ على ما تتعرّض له. تعتبر إيران أنّ تهديد دول الخليج يشكل تعويضا عن الأوراق التي خسرتها، خصوصا ورقة سوريا… كما يؤكّد أنّها لا تزال قادرة على إيذاء جيرانها القريبين والبعيدين.

الغريب في الأمر أن دول مجلس التعاون عملت منذ البداية على تفادي الحرب من منطلق المحافظة على الاستقرار في المنطقة وحمايته. سعت هذه الدول إلى إقناع الولايات المتحدة بتفادي جولة جديدة من القتال مع “الجمهوريّة الإسلاميّة”. لكن الواضح أنّ لدى إدارة دونالد ترامب حسابات خاصة بها يضاف إليها الحسابات الإسرائيليّة التي تأخذ في الاعتبار أنّه لم يعد في استطاعة الدولة العبريّة تحمّل فكرة حصول إيران يوما على القنبلة النووية وبقاء الصواريخ الباليستية… كذلك، بقاء سلاح “حزب الله”، خصوصا صواريخه ومسيراته، في لبنان. إلى إشعار آخر، ترفض “الجمهوريّة الإسلاميّة” التعاطي مع الواقع الجديد في المنطقة، وهو واقع تختزله فكرة الخلط بين الانتصار والهزيمة… وهو خلط مستحيل يعود إلى أنّ لا اسم آخر للهزيمة من جهة وأنّ القدرة على تحويلها إلى انتصار من رابع المستحيلات من جهة أخرى.

* صحيفة العرب اللندنية