عادل الهرش

عادل الهرش

تابعنى على

اليمنيون ومعركة الهروب إلى الماضي

منذ ساعتان و 40 دقيقة

لم تكن وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي – رحمه الله – مجرد حدث عابر في سياق التاريخ السياسي اليمني، بل محطة تعكس حجم التحولات التي شهدتها البلاد منذ تسليمه السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي في 7 أبريل 2022. ومع ذلك، فإن جوهر الأزمة اليمنية لا يكمن في الأشخاص بقدر ما يكمن في السلوك الجمعي الذي لا يزال أسير الماضي.

منذ عام 2011، واليمن يعيش في دوامة صراع مركّب، سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا. لكن الأخطر من كل ذلك أن الوعي الجمعي لليمنيين ظل متوقفًا عند محطات الماضي، مستحضرًا الأخطاء والخيبات، ومغذيًا ثقافة اللوم والتخوين وكيل التهم وتحميل المسؤوليات بدلًا من البناء والتصحيح.

كلما برز حدث جديد، عاد الخطاب العام إلى الوراء، حيث تتفجر الخلافات القديمة، وتُستدعى الخصومات، وتُفتح ملفات الصراع بين مكونات الصف الجمهوري، خصوصًا داخل معسكر الشرعية. فبدلًا من توحيد الجهود لمواجهة التحدي الاكبر، ينشغل الجميع بمعارك جانبية تستنزف الطاقات وتُضعف الجبهة الداخلية وتفرق الجموع.

هذا الواقع لم يكن مجرد حالة وقتيه، بل أصبح عاملًا رئيسي في إطالة أمد الحرب، وتمكين مليشيا الحوثي من من استمرار وتثبيت سيطرتها وبقاء تسلطها على مناطق الشمال، بما في ذلك العاصمة صنعاء. فحين ينقسم الخصوم، يتماسك العدو؛ وحين يضيع الهدف، تتبدد القوة.

إن الحقيقة التي يجب مواجهتها بوضوح هي أن استمرار استدعاء الماضي والخوض فيه بكل سلبياته لن يقود إلا إلى مزيد من التراجع. فلا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح في ظل عقلية غارقة في تصفية الحسابات، أو بيئة سياسية تقوم على الشك المتبادل وانعدام الثقة.

اليمن اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف أولوياته. فالمعركة الحقيقية ليست بين مكونات الشرعية، ولا بين أطراف كانت يومًا في خلاف، بل معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة النظام الجمهوري. وهذه المعركة تتطلب وعيًا جديدًا، يتجاوز الماضي دون أن يلغيه، ويستفيد من دروسه دون أن يبقى أسيرًا له.

إن الطريق نحو تحرير الشمال واستعادة الدولة لن يكون ممكنًا إلا عبر وحدة الصف، وتماسك القوى الوطنية تحت رؤية واحدة وقيادة موحدة. فالتاريخ لا يُصنع بالانقسام، ولا تُبنى الدول بالخصومات، بل بالإرادة المشتركة الصادقة.

وفي هذا السياق، يصبح لزامًا على النخب السياسية والإعلامية والاجتماعية في الشرعية اليمنية أن تتحمل مسؤوليتها في توجيه الخطاب العام والاستعداد لمعركة الخلاص نحو المستقبل، بدلًا من تكريس الانقسام. كما أن على الشارع اليمني أن يدرك أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان.

ختامًا، يمكن القول إن اليمنيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في دوامة الهروب إلى الماضي بكل ما يحمله من أوجاع، أو التوجه نحو التحرر وبناء يمنٍ جديد ومستقبلٍ واعد بعقلية ناضجة قادرة على تجاوز الخلافات وصناعة نصرٍ حاسم على العدو الحوثي ومشروعه الإيراني الدخيل على الأرض والإنسان. وبين هذين الخيارين، يتحدد مصير شعبٍ ووطنٍ بأكمله أنهكته الحروب والصراعات.