بسام الإرياني

بسام الإرياني

تابعنى على

نساء اليمن بين زنازين الحوثي وصمت المجتمع الدولي

منذ ساعة و 24 دقيقة

في كل حرب تبقى النساء الفئة الأكثر هشاشة في أي زمان ومكان، لكن المأساة في اليمن تجاوزت حدود المعاناة الإنسانية لتتحول إلى ملف دامٍ وإجرامي من قبل مليشيات الحوثي بحق النساء اليمنيات السجينات. وهناك أرقام كبيرة جدًا في اليمن منذ عام 2014 وإلى يومنا هذا، إضافة إلى العديد من الملفات المتراكمة والتقارير والشهادات، دون أن يواكبها تحرك دولي يرقى إلى حجم الانتهاكات المبلغ عنها.

وعلى مدى سنوات الصراع، وثقت منظمات دولية ومحلية حالات احتجاز تعسفي وإخفاء قسري وانتهاكات بحق نساء في مناطق خاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي، بينما لا تزال كثير من الضحايا يواجهن الخوف من الإدلاء بشهاداتهن خشية الوصم المجتمعي أو الانتقام. ولا تزال الأغلبية قابعة في سجون الحوثي؛ بعضهن لم يبق منهن سوى عظام، وأخريات لحوم مكشوفة، وأخريات طُعمًا يستخدمه الحوثي في صيد من يعارضونه.

الحديث هنا لا يتعلق بحرمان امرأة من حريتها فحسب، بل بما يرافق الاحتجاز من آثار جسدية ونفسية واجتماعية مدمرة تمتد إلى أسرتها ومستقبلها. ففي المجتمع اليمني قد تتحول مجرد تهمة أو شائعة إلى حكم اجتماعي قاسٍ، حتى بعد الإفراج عن الضحية.

ومواقع التواصل الاجتماعي تعج بالقضايا والحوادث، وهناك مئات التقارير الحقوقية وعشرات الشهادات المرئية الموثقة عن نساء خرجن من سجون الحوثي بصفقة لعينة، وهي أن تخرج الضحية لإيقاع خصوم الحوثي والمشكوك في تحالفهم بفيديوهات فاضحة، تُجبرهم على الخضوع الكامل لإرادة المليشيات من خلال أجساد تلك النساء.

لكن بعضهن خالفن تلك الصفقة وهربن إلى خارج مناطق سيطرة العصابة الحوثية، وتحدثن بكل حرقة ومرارة عما يجري داخل السجون، فيما خرجت أخريات بوساطات قبلية، لكنهن وجدن أنفسهن يواجهن عزلة اجتماعية، وانهيار علاقات أسرية، وفقدان مصادر رزقهن، وكل ذلك ضاعف من تداعيات حجم الضرر الذي خلفه السجن أو الاحتجاز، حتى وإن استمر لأيام قليلة.

صحيح أن المنظمات الحقوقية حاولت، وما تزال تحاول، رصد هذه الانتهاكات وإيصالها إلى الأمم المتحدة وبقية المنظمات الحقوقية والإنسانية خارج أسوار اليمن الجريح، إلا أن ما أريد إيصاله في هذه السطور ليس رد الاعتبار فقط للمرأة المسجونة، وإنما مناشدة المجتمع والأسر اليمنية بالوقوف إلى جانب نسائهم اللاتي تعرضن وما زلن يتعرضن لانتهاكات لم يكنّ يتصورن يومًا أن يواجهنها.

كذلك لا تقتصر آثار هذه الانتهاكات بحق المرأة اليمنية على المرأة نفسها أو على عائلتها وأسرتها ومجتمعها، بل تمتد إلى آثارها إلى حد كبير قد لا نتصورها. فعندما تخشى المرأة أن يؤدي نشاطها المهني أو الحقوقي أو الإعلامي إلى الاستهداف، تضيق مساحة المشاركة المدنية، ويصبح الخوف أداة لإسكات الأصوات، ويزداد الظلم.

كما أن العاملات في منظمات المجتمع المدني، كالصحفيات والناشطات والحقوقيات، يتحملن أعباء مضاعفة نتيجة حملات التشهير والاستهداف، وما يرافقها من ضغوط نفسية واجتماعية قد تستمر لسنوات.

والغريب في الأمر هو دور الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، المشبوه والمشكوك فيه، والذي يقتصر فقط على الإدانة والمناشدة، وفي الوقت نفسه يمنح مساحة من الحرية للمتحدثين باسم مليشيات الحوثي على منابره، دون إيقافهم أو التحقيق معهم، بحجة أنهم يدافعون عن مليشيات لا تخضع ولا تعترف بالقانون الدولي. وبالتالي، بأي حق يُسمح لهم بالدفاع عنها؟

هذا الدور الخانع للمنظمات الدولية يشجع الجماعات على استمرار الانتهاكات، ويبعث برسالة خاطئة مفادها أن الإفلات من العقاب ممكن.

من هذا المنبر الإعلامي الحر، ومن خلال هذا المقال الإنساني، أُذكّر المنظمات والمؤسسات الإنسانية والسياسية الدولية والإقليمية بأن حماية النساء في أوقات النزاعات والحروب ليست قضية سياسية فقط، بل هي التزام قانوني وأخلاقي وإنساني.

وأيًا كان الطرف المسؤول عن أي انتهاك، فإن الضحايا يستحقن العدالة والإنصاف وجبر الضرر. كما يتطلع المجتمع اليمني إلى رؤية تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع القضايا والملفات المتعلقة بالاحتجاز التعسفي، وسوء المعاملة، والعنف الجنسي، ومحاسبة هذه الجماعات الإجرامية وفقًا للقانون.

لأن الصمت أمام معاناة الضحايا لا يوقف الانتهاكات، بل يطيل أمدها ويعمق آثارها، بينما تبقى العدالة وحدها الطريق الذي يمكن أن يعيد شيئًا من الكرامة لمن فقدوا الأمان في زمن الحرب المنسية.