في الآونة الأخيرة بدأت تبرز على السطح مظاهر مقلقة من المناطقية والعنصرية والتصنيفات الاجتماعية الضيقة في حضرموت، وهي ظواهر لم تكن يوماً مصدر قوة أو حماية لأي مجتمع، بل كانت دائماً مدخلاً للانقسام والتنازع وإضعاف النسيج الاجتماعي.
وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة أنها تأتي في مرحلة شديدة الحساسية يمر بها المجتمع، تتشابك فيها الأزمات الاقتصادية والسياسية والخدمية والأمنية، فتجد بعض القوى والتيارات في هذه الانقسامات فرصة لتعزيز نفوذها أو تحقيق مكاسب آنية، ولو كان الثمن تمزيق المجتمع وإثارة الأحقاد بين أبنائه.
إن أخطر ما في العصبيات والمناطقيات أنها لا تتوقف عند حدود الخلاف السياسي أو التنافس الاجتماعي، بل تتسلل تدريجياً إلى الوعي الجمعي، فتخلق حواجز نفسية بين أبناء المجتمع الواحد، وتعيد إنتاج الانقسامات جيلاً بعد جيل، حتى يصبح الانتماء للمنطقة أو القبيلة أو الفئة مقدماً على الانتماء للوطن والمجتمع والقيم المشتركة.
وليس غريباً أن يحارب الإسلام هذه النزعات منذ أربعة عشر قرناً، لأنها كانت من أكبر أسباب الصراعات والاحتراب في المجتمعات البشرية.
فعندما عيّر أبو ذر رضي الله عنه رجلاً بأمه، قال له النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
"إنك امرؤ فيك جاهلية".
وحين ارتفعت الأصوات في حادثة أخرى بنداءات التعصب: "يا للمهاجرين" و*"يا للأنصار"*، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"دعوها فإنها منتنة".
كلمة مختصرة لكنها تحمل حكماً أخلاقياً وحضارياً قاطعاً على كل دعوة تؤسس للفرقة والانقسام بين أبناء المجتمع الواحد.
فأين نحن اليوم من هذه التعاليم؟
كيف نقبل أن تعود إلينا مسميات وتصنيفات كان يفترض أننا تجاوزناها منذ قرون؟ وكيف نسمح بإحياء هويات فرعية ضيقة على حساب الهوية الجامعة التي حفظت للمجتمعات استقرارها وتماسكها؟
لقد أدرك العالم، بعد تجارب مريرة من الحروب والصراعات والتمييز، أن التنوع ليس تهديداً بل مصدر قوة، وأن المجتمعات الناجحة هي تلك التي تدير اختلافاتها وتحولها إلى عناصر تكامل لا أدوات صراع.
بينما نجد أنفسنا أحياناً نعود إلى الوراء، فنستحضر خلافات وتصنيفات لم تجلب في الماضي إلا التنازع، ولن تجلب في الحاضر أو المستقبل سوى المزيد من التشظي.
إن حضرموت كانت عبر تاريخها نموذجاً للتعايش والتكامل والانفتاح. ولم تبنِ مكانتها الحضارية والاقتصادية والعلمية من خلال الانغلاق أو التعصب، بل من خلال قدرتها على استيعاب التنوع وجمع الناس تحت مظلة المصالح المشتركة والقيم الجامعة.
ولذلك فإن الحفاظ على هذا الإرث ليس مسؤولية النخب وحدها، بل مسؤولية كل فرد يدرك حجم الخطر الذي تمثله دعوات الفرقة والكراهية.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى خطاب يجمع ولا يفرق، وإلى مشروع مجتمعي يعزز المواطنة والتكامل والاحترام المتبادل، ويحفظ خصوصيات المكونات المختلفة دون أن يحولها إلى جدران فاصلة بينها.
فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل قد تنهار عندما يفقد أبناؤها القدرة على رؤية بعضهم شركاء في المصير.
إن من يريدون بقاءنا ضعفاء ومتفرقين يدركون جيداً أن المجتمع المتماسك عصيّ على الاختراق، وأن المجتمع المنقسم يسهل توجيهه واستنزافه.
ولذلك فإن مواجهة المناطقية والعنصرية ليست مجرد موقف أخلاقي أو ديني فحسب، بل هي أيضاً ضرورة وطنية ومجتمعية لحماية حاضرنا ومستقبل أبنائنا.
إن الأمم لا تسقط حين تختلف، فاختلاف الناس سنة من سنن الحياة، لكنها تسقط حين يتحول الاختلاف إلى كراهية، والتنوع إلى صراع، والانتماء إلى عصبية.
وما نشهده اليوم من تصاعد بعض الخطابات المناطقية والعنصرية في حضرموت واليمن عموماً ليس مجرد جدل عابر على وسائل التواصل أو خلافات سياسية مؤقتة، بل مؤشرات ينبغي التعامل معها بجدية قبل أن تتحول إلى شروخ عميقة في البنية الاجتماعية يصعب ترميمها.
لقد دفع اليمنيون جميعاً أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية من أمنهم واستقرارهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم، وآخر ما يحتاجه المجتمع اليوم هو فتح جبهات جديدة بين أبنائه على أساس المنطقة أو الأصل أو الانتماء الاجتماعي.
إن حضرموت التي احتضنت الجميع، وخرج منها العلماء والتجار والدعاة إلى أصقاع الأرض، أكبر من أن تختزل في تصنيف ضيق، وأعمق من أن تمزقها شعارات عابرة، وأوعى من أن تنجر إلى معارك لا رابح فيها.
فلنختلف في السياسة كما نشاء، ولنتنافس في الرؤى والبرامج والمشروعات، لكن لنبقَ متفقين على حقيقة واحدة:
أن كرامة الإنسان لا يحددها أصله ولا منطقته ولا قبيلته، وأن قوة المجتمع تكمن في وحدته وتنوعه وتكافله، لا في انقسامه وتشظيه.
وبينما يرفع البعض شعارات الفرقة، يبقى الواجب على العقلاء أن يرفعوا صوت الحكمة، وأن يتذكروا وصية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حين سمع دعوات العصبية ترتفع بين أصحابه فقال:
"دعوها فإنها منتنة".
فهل نسمع النداء قبل فوات الأوان؟
حضرموت تتسع للجميع... ولن يحفظها إلا أبناؤها مجتمعين.
>
