بسام الإرياني

بسام الإرياني

تابعنى على

المراكز الصيفية الحوثية.. لا رياضة ولا ثقافة، فقط سلاح وكراهية

منذ ساعتان و 46 دقيقة

في الوضع الطبيعي، يُفترض أن تكون المراكز الصيفية التي تقيمها وزارة التربية والتعليم، وتشرف عليها وزارة الشباب والرياضة والثقافة، ملاذًا آمنًا للأطفال واليافعين، ومساحة لبناء الوعي وتعزيز المهارات واكتشاف المواهب. لكن حولتها مليشيات الحوثي وأمثالهم في بقية مناطق اليمن إلى أماكن مغلقة يُعاد فيها تشكيل العقول وفق مسارات ضيقة وخطرة.

ما تروج له هذه المليشيات باعتباره نشاطًا تربويًا وترفيهيًا، ينكشف عند التمحيص كمنظومة تعبئة فكرية ممنهجة تبتعد كل البعد عن روح الطفولة واحتياجاتها الحقيقية؛ إذ لا مكان لكرة قدم أو مسرح أو كتاب، بل تُستبدل تلك المساحات بمفردات مشحونة وخطابات متصلبة وصور ذهنية تُغذي الانقسام، وتؤسس لجيل يرى العالم بلون واحد.

المراكز الصيفية التي تُدار تحت إشراف جماعة الحوثي لم تعد، كما ينبغي أن تكون، منصات تعليمية مفتوحة، بل تحولت إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للأطفال والمراهقين. الأنشطة التي يُفترض أن تنمي التفكير النقدي والإبداعي تُستبدل بمحاضرات مغلقة وخطاب تعبوي يرسخ ثنائية "نحن" و"هم"، ويزرع في النفوس بذور الشك والكراهية تجاه الآخر.

الأطفال الذين يفترض أن ينشغلوا بالرسم والرياضة والقراءة يجدون أنفسهم في بيئة تُغذّي النزعة العدائية، وتُعيد تعريف مفاهيم الحياة اليومية بلغة الصراع.

اللافت أن هذه المراكز تُقدم للأهالي كفرصة تعليمية مجانية، ما يجعلها جاذبة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. لكن خلف هذا الإغراء تكمن أجندة أعمق؛ يتم استغلال حاجة الأسر لتوفير أنشطة لأبنائها، ليدفع بهؤلاء الصغار نحو مسارات لا تعكس احتياجاتهم النفسية ولا مراحلهم العمرية.

بدلًا من أن يتعلم الطفل كيف يفكر، يُملى عليه ماذا يفكر. وبدلًا من أن يُشجع على التساؤل، يُدفع نحو التلقين والانغلاق.

ولا يقف الأمر عند حدود الخطاب الفكري، بل يتعداه إلى ممارسات تُطبع العنف وتجعله جزءًا من الحياة اليومية. صور وشعارات وأهازيج تُستخدم لتكريس فكرة المواجهة كخيار وحيد، في حين تغيب قيم التعايش والتسامح وقبول الاختلاف.

هذا التحول الخطير لا يهدد فقط مستقبل الأجيال، بل يُلقي بظلاله الثقيلة على المجتمع بأكمله؛ إذ يتم إعادة إنتاج دائرة الصراع عبر أجيال جديدة لم تُمنح فرصة اختيار طريقها بحرية.

المثير للقلق أن هذه المراكز الصيفية تتم في بيئة مغلقة، لا رقابة للأهالي ولا شفافية للمجتمع، ما يفتح الباب أمام ممارسات يصعب تتبعها أو تقييم آثارها الحقيقية. ومع مرور الوقت، سوف تبدأ التغيرات في الظهور على سلوكيات الأطفال ولغتهم ونظرتهم للعالم، بحيث يتحول الخطاب المتشدد إلى جزء من هويتهم الناشئة.

مليشيات الحوثي، من خبثها، تصر على إقامة المراكز الصيفية كل عام، رغم إغلاقهم للمدارس وتسريح الكثير من المعلمين بحجة عدم وجود ميزانية، إلى آخره. بل هم يعرفون ماذا يعملون، وكيف يستثمرون أموال اليمنيين في تدمير المجتمع اليمني، الذي ظل اليمنيون لعقود من الزمن يبنون هذا المجتمع على قيم التسامح والإخاء والتعايش والمساواة.

لذا نجدهم يعملون، دون كلل أو ملل، على تدمير الطفولة بغرس الأفكار المتطرفة في عقولهم، من خلال وضعهم في بيئات تعليمية قاسية تشكل لديهم عقيدة فاسدة ومفاهيم مشوهة. ويغرسون في عقولهم أنه لا مستقبل للأمة طالما «أدوات الاستعمار» موجودة، ويقصدون بها المناهج والتكنولوجيا ووسائل التقدم الحديثة، ويسيرون بهم نحو مسارات محفوفة بالمخاطر.

الجدير بالذكر أن المسؤولية هنا لا تقع على الأب والأم فقط، بل هي مسؤولية الجميع: مجتمع مدني، وعسكري، ومجتمع محلي وإقليمي ودولي. يجب أن يكون هناك تحرك حقيقي لحماية الأطفال من أي استغلال.

ويجب على المنظمات والسلطات الوطنية رفع دعاوى قضائية على هذه الجماعة، لتدع الأطفال وشأنهم، وإبعادهم عن التوظيف الأيديولوجي والعسكري. كما يجب أن يكون هناك تحرك فوري لمنظمات حماية الأطفال في مناطق النزاع المسلح؛ لأن ما يجري داخل هذه المراكز ليس مجرد انحراف عابر عن الهدف التربوي، بل هو إعادة هندسة ممنهجة لوعي جيل كامل.

تُنتزع منه براءته تدريجيًا ليُعاد تشكيله وفق منطق الصراع لا منطق الحياة، حين يُدفع بالأطفال إلى تبني مفاهيم العنف والكراهية بدل قيم العلم والمعرفة.

لذا فإن الخطر لا يتوقف عند حدود الحاضر، بل يمتد ليصنع مستقبلًا مشوهًا تتوارثه الأجيال. والصمت المحلي والدولي على هذه الممارسات ليس حيادًا، بل تواطؤ غير مباشر في تكريسها والتهاون معها، والذي يعني القبول بتحويل الطفولة إلى وقود دائم لدورات لا تنتهي من التوتر والانقسام.

فالمعركة الحقيقية اليوم ليست على جغرافيا أو سلطة، بل على عقول الصغار وحقهم في أن ينشؤوا أحرارًا من أي استغلال، قادرين على التفكير لا مجرد التلقي، وعلى البناء لا الهدم.

ومن هنا، فإن إيقاف وغلق هذه المراكز الصيفية الحوثية سيمنع كارثة مستقبلية، وسينقذ جيلًا كاملًا من الانزلاق نحو العنف، بل هو، في جوهره، إنقاذ لمستقبل مجتمع بأكمله.