رحيل شريك الوحدة اليمنية الرئيس الجنوبي علي سالم البيض

السياسية - منذ ساعتان و 37 دقيقة
أبوظبي، نيوزيمن:

توفي اليوم السبت 18 يناير 2026، الرئيس الجنوبي الأسبق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، علي سالم البيض، في العاصمة الإماراتية أبوظبي عن عمرٍ تجاوز 90 عامًا، مخلفاً مسيرة سياسية وتاريخية طويلة ارتبطت بأهم محطات النضال والتحولات التي شهدها اليمن في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.

وُلد البيض في عام 1939 في قرية معبر بمديرية الريدة وقصيعر بمحافظة حضرموت، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط. انخرط في العمل السياسي منذ شبابه، فانتمى إلى حركة القوميين العرب، وكان من الشخصيات الأساسية في تنظيم الجبهة القومية، وتولى قيادة العمل العسكري في المنطقة الشرقية (حضرموت والمهرة) ضد الاحتلال البريطاني، ما أكسبه خبرة واسعة في العمل السياسي والعسكري منذ مراحل مبكرة من حياته.

بعد استقلال جنوب اليمن وتأسيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، تقلّد البيض مناصب متعددة، منها وزير الدفاع في أول حكومة بعد الاستقلال وحتى عام 1969، ثم وزيرًا للخارجية في العام نفسه، ولاحقًا وزير الدولة لشؤون الرئاسة عام 1971، ثم محافظًا لحضرموت عام 1972. وتوالت المناصب عليه ليشمل وزارة التخطيط، وسكرتارية اللجنة الدائمة لمجلس الشعب الأعلى، ثم وزارة الحكم المحلي عام 1976، إضافة إلى عضويته في المكتب السياسي للجبهة القومية ثم الحزب الاشتراكي.

ويُعد البيض من أبرز القادة الذين وضعوا بصماتهم على التاريخ اليمني الحديث، إذ كان أحد الموقعين على اتفاقية الوحدة اليمنية عام 1990 مع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، لتقاسم السلطة بين شطري اليمن، حتى اندلاع الحرب الأهلية في 21 مايو 1994 والتي استمرت حتى 7 يوليو من العام نفسه، ليغادر بعدها البيض إلى سلطنة عُمان التي منحته اللجوء السياسي ثم الجنسية بشروط سياسية، تضمنت عدم قيامه بأي نشاط سياسي، في مفصلٍ يعكس تعقيدات المرحلة التي تلت الوحدة والصراع الذي أعقبها.

ونعى رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس قاسم الزُبيدي، الرئيس الجنوبي السابق علي سالم البيض، معبّراً عن بالغ حزنه لرحيل “ركنٍ من أركان الحركة الوطنية الجنوبية”، في كلمة رسمية قال فيها: “لقد خسر الجنوب اليوم برحيل الرئيس علي سالم البيض رجلًا فذاً عاش حياته مناضلاً صلباً لا يلين، وسخر حنكته ورؤيته لخدمة قضية شعبه، مجسداً أسمى قيم الوفاء والصدق مع النفس ومع الشعب، وكان نبراساً أضاء لشعبنا الجنوبي العربي طريق الحرية والكرامة.”

وشدّد الزُبيدي على أن التاريخ سيحفظ للبيض شجاعته الاستثنائية في أصعب الظروف، مؤكدًا أنه لم يساوم يومًا على حق شعب الجنوب في استعادة دولته، بل وقف منحازًا لإرادة الجماهير، مفضلاً حياة النضال والتشرد على القبول بالظلم والهيمنة.

وجاء في بيان التقدير أن المجلس الانتقالي الجنوبي سيبقى متمسكًا بمبادئ الفقيد وبالنهج الذي رسمه، ولن يحيد عن الطريق الذي اختطه بصدقه وتضحياته حتى تحقيق كامل أهداف شعب الجنوب في الاستقلال واستعادة الدولة.

وتميّزت مسيرة علي سالم البيض بكونها جسراً بين مرحلة التحرر الوطني ضد القوى الاستعمارية، ومرحلة الوحدة اليمنية التي شكلت علامة فارقة في تاريخ البلاد. وكان البيض، بطموحاته الوطنية وتواضعه الفكري، شخصية قادرة على الجمع بين العمل السياسي والاجتماعي والعسكري، وهو ما أكسبه احترامًا لدى أوساط واسعة من اليمنيين، رغم التعقيدات السياسية والصراعات التي رافقت مسيرة اليمن الحديثة.

ويرى مراقبون أن رحيل البيض لا يمثل نهاية حقبةٍ فحسب، بل يشكل فرصةً لإعادة قراءة التاريخ الوطني بموضوعية، وفهم الدور الذي لعبه مجموعة من القادة الوطنيين في رسم مسارات الوحدة والصراع، مع ما خلّفته من أثر على بنية الدولة الجنوبية واليمنية بوجه عام.