احتكار الزكاة وتجريم التكافل.. سياسة حوثية تعمّق الفقر في مناطق سيطرتها

السياسية - منذ 3 ساعات و 18 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

تشهد المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي في اليمن مفارقة إنسانية قاسية خلال شهر رمضان هذا العام، إذ يتزامن اتساع رقعة الفقر وازدياد أعداد المحتاجين مع انقطاع شبه كامل للمساعدات الخيرية والزكوات التي اعتاد اليمنيون تقديمها للفقراء في هذا الشهر. 

ويأتي ذلك في ظل قيود صارمة فرضتها الميليشيات على مبادرات فاعلي الخير والتجار، وتحويل موارد الزكاة إلى مورد مالي مركزي يخضع لسلطتها، الأمر الذي فاقم معاناة آلاف الأسر التي كانت تعتمد على تلك المبادرات الموسمية لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها.

وفي مناطق الحديدة الخاضعة للسيطرة الحوثية، غرب اليمن، بدا المشهد الرمضاني هذا العام مختلفاً بصورة لافتة، حيث خلت أحياء المدينة الفقيرة من مظاهر التكافل الاجتماعي التي اعتاد السكان رؤيتها في مثل هذه الأيام. 

ففي الأزقة الضيقة لمدينة الحديدة، اعتاد الفقراء والمعدمون في تهامة انتظار أيادي الخير الممتدة إليهم من التجار والميسورين، في تقليد اجتماعي متوارث عبر الأجيال، إلا أن هذا التقليد تراجع بشكل كبير بعد منع ميليشيا الحوثي توزيع الزكاة والمساعدات بشكل مباشر.

وتبرز حارة المحرقة (السلام) كواحدة من أكثر المناطق التي تعكس حجم المعاناة الإنسانية في المدينة، إذ تضم أكثر من 600 أسرة تعيش في منازل بدائية مصنوعة من صفائح الحديد، وتعد من أشد الأحياء فقراً في الحديدة. وبحسب أحد سكان الحي، فإن الحارة لم تصلها أي مساعدات أو تبرعات منذ بداية شهر رمضان، بعدما فرضت الجماعة قيوداً مشددة على المبادرات الخيرية ومنعت وصولها للفقراء.

ولا تقتصر الأزمة على هذه الحارة فقط، بل تمتد إلى أحياء مجاورة مثل حي التسعين وحي الأحواض، حيث تعيش أكثر من خمسة آلاف أسرة في ظروف معيشية بالغة القسوة، وسط غياب شبه كامل للخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، ما يضاعف من حجم المعاناة اليومية للسكان.

اختطافات وتهديدات لفاعلي الخير

وفي سياق القيود المفروضة على العمل الخيري، كشفت مصادر محلية أن ميليشيا الحوثي اختطفت عدداً من فاعلي الخير وهددت آخرين بالاعتقال في حال حاولوا توزيع الزكاة أو المساعدات الرمضانية مباشرة على الأسر الفقيرة.

وأوضح أن الجماعة أصدرت تعليمات صارمة تمنع توزيع الزكاة بشكل مباشر، وفرضت على التجار والميسورين تسليم الأموال لجهاتها المختصة بحجة أنها الجهة المخولة بتوزيعها، مشيراً إلى أن الحوثيين يبررون ذلك بأن أسر قتلاهم أولى بهذه المعونات.

وأضاف أن أحد الميسورين حاول خلال الأيام الماضية توزيع مبالغ مالية رمزية على المتسولين والعاملين في جمع العلب البلاستيكية في شوارع الحديدة، غير أن المبادرة انتهت باعتقاله من قبل عناصر الميليشيا، في خطوة أثارت استياء واسعاً بين السكان.

وأكد الناشط أن مدينة الحديدة كانت تشهد تقليداً متجذراً يتمثل في خروج التجار والميسورين خلال رمضان لتوزيع المساعدات على الفقراء بشكل مباشر، وهو ما وفر دعماً مهماً لآلاف الأسر المعدمة، قبل أن يتم إيقافه بشكل كامل من قبل الجماعة.

ويؤكد عدد من النشطاء العاملين في توزيع المساعدات في رمضان أن فاعلي الخير اعتادوا سنوياً خلال شهر رمضان توزيع سلال غذائية وتبرعات مالية وملابس جديدة للأسر الفقيرة، إلا أن هذه الأنشطة أصبحت اليوم محظورة بفعل القيادات الحوثية والشروط والتوجيهات التي يصدرونها. موضحين أن الكثير من النشطاء الذين يقومون بالإشراف على توزيع وإيصال المساعدات الإنسانية للفقراء والمحتاجين تعرضوا لتهديدات مباشرة من قيادات حوثية حذرتهم من تنفيذ أي نشاط خيري دون موافقة الجماعة، بحجة أنها الجهة المعنية بجمع وتوزيع الزكاة.

وأضاف أن الجماعة تتعامل مع أعمال التكافل الاجتماعي وكأنها جريمة، في وقت تعيش فيه آلاف الأسر أوضاعاً إنسانية صعبة، مشيراً إلى أن الحوثيين حرموا الموظفين من رواتبهم لسنوات، ثم منعوا عنهم أيضاً زكوات التجار ومبادرات فاعلي الخير، خصوصاً في محافظة الحديدة التي تعد من أكثر المناطق فقراً في اليمن.

حملات جباية بالقوة

وبالتزامن مع منع المبادرات الخيرية، كثفت ميليشيا الحوثي حملات الجباية في مناطق سيطرتها، حيث شنت حملة مداهمات واسعة في منطقة حزيز جنوب العاصمة صنعاء لفرض مبالغ مالية تحت مسمى "زكاة الفطر".

وأفادت مصادر محلية أن مسلحين تابعين للجماعة اقتحموا منازل عدد من المواطنين الذين تتهمهم بالتخلف عن سداد المبالغ المفروضة، ما أدى إلى تكسير أبواب ونوافذ بعض المنازل، في إجراءات أثارت قلقاً واسعاً بين السكان.

ووفق المصادر، كان من بين المنازل التي تعرضت للاقتحام منزل المواطن فضل اليمني، الذي لحقت به أضرار مادية نتيجة عملية المداهمة القسرية.

وتأتي هذه الحملة في ظل تزايد الانتقادات لأساليب الإكراه التي تعتمدها الجماعة في تحصيل الجبايات المختلفة، بينما يعاني السكان من تدهور اقتصادي حاد بعد سنوات من توقف رواتب الموظفين الحكوميين.

وفي موازاة ذلك، اتجهت سلطة الحوثيين في صنعاء إلى إعادة تفسير بعض أحكام الزكاة بما يسمح بفرض جبايات إضافية على التجار. فبحسب مصادر في هيئة الزكاة التابعة للجماعة، تم التوصل في ديسمبر الماضي إلى اتفاق مع الغرفة التجارية الصناعية بأمانة العاصمة لتشكيل لجنة مشتركة لمناقشة قضية الديون قصيرة الأجل التي يملكها التجار لدى الغير.

وبعد دراسة القضية، أصدر مفتي الديار التابع للحوثيين فتوى تقضي بوجوب إخراج الزكاة على الديون قصيرة الأجل، باستثناء تلك التي يتم سدادها خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من نهاية الحول.

وجرى توثيق الاتفاق في محضر رسمي وقّعه رئيس هيئة الزكاة شمسان أبو نشطان ورئيس الغرفة التجارية علي الهادي وأعضاء اللجنة، على أن يبدأ تنفيذ الفتوى اعتباراً من 5 فبراير 2026 على جميع الملفات المفتوحة المتعلقة بالديون الآجلة.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل تقنيناً لجباية أموال إضافية من التجار تحت مسمى الزكاة، رغم أن الأحكام الشرعية التقليدية تشترط مرور عام هجري كامل على المال حتى يصبح خاضعاً للزكاة.

انتقادات متصاعدة

وفي سياق الانتقادات، سخر الأكاديمي إبراهيم الكبسي من فرض زكاة الفطر على رواتب الموظفين، مشيراً إلى أن الموظف الذي لا يتسلم إلا جزءاً بسيطاً من راتبه يُطلب منه دفع 550 ريالاً عن كل فرد من أفراد أسرته.

وقال الكبسي في منشور على منصة "إكس" إن زكاة الفطر شُرعت لإغناء الفقير يوم العيد، لا لاقتطاعها من راتب موظف يقف أصلاً في صف الفقراء.

كما شنت الناشطة الدكتورة أحلام الشامي انتقادات حادة لقيادة هيئة الأوقاف التابعة لسلطة الحوثيين، متهمةً إياها بتحويل أموال الأوقاف إلى ما وصفته بـ"غنائم شخصية"، معتبرة أن الهيئة تحولت في ظل إدارتها إلى بؤرة للفساد بعد تلقي آلاف الشكاوى من ممارساتها.

بدوره، سخر الناشط والإعلامي المقرب من الحوثيين فارس أبو بارعة من المشروع الخيري الرمضاني الذي أعلنت عنه هيئة الزكاة هذا العام، والذي قالت إنه كلّف نحو 26 مليار ريال.

وأشار أبو بارعة إلى أن المشروع اقتصر – بحسب ما تم تداوله – على توزيع أكياس بلاستيكية كبيرة، ساخراً من أن الهدف منها هو تمكين المواطنين من جمع بقايا الطعام من براميل القمامة بطريقة "صحية".

وفي السياق ذاته، انتقد السياسي والسفير السابق نايف القانص ما وصفه بالاستعراضات الإعلامية للجماعة في توزيع الزكاة على الجاليات الأجنبية، بينما يعيش ملايين اليمنيين تحت خط الفقر وتعاني أسر كثيرة من انعدام الحد الأدنى من الغذاء.

وقال القانص إن المفارقة تكمن في أن الجماعة تتهم الآخرين بالنفاق بينما تعكس ممارساتها – بحسب تعبيره – تناقضاً واضحاً بين الخطاب والواقع، مشيراً إلى أن الداخل اليمني يعج بالفقراء والمحتاجين.