منتدى الشرق الأوسط: وقف إطلاق النار في إيران “وهم مؤقت” وصراع بلا حسم

السياسية - منذ 3 ساعات و 4 دقائق
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:

نشر منتدى الشرق الأوسط تقريراً تحليلياً مطولاً أعدّه الكاتب والمحلل السياسي الإيراني مهرداد مارتي يوسفياني، تناول فيه تداعيات وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 7 أبريل/نيسان 2026، بعد أربعين يوماً من حرب عنيفة بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي، في قراءة معمقة تتجاوز الحدث العسكري إلى تفكيك أبعاده السياسية والاستراتيجية والداخلية.

التقرير أكد على أن وقف إطلاق النار الذي استمر أسبوعين لم يكن سوى نهاية مؤقتة لمرحلة عسكرية شديدة القسوة، شهدت استهدافاً واسعاً للبنية التحتية العسكرية الإيرانية، ومقتل شخصيات بارزة، فضلاً عن تأثيرات اقتصادية عالمية نتيجة تعطّل جزء كبير من تدفقات النفط عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، يوضح الكاتب أن هذا التطور لم ينجح في تحقيق تسوية حقيقية للصراع، بل أعاد ترتيب موازين القوى دون حسمها.

ويشير التحليل إلى أن الجمهورية الإسلامية خرجت من الحرب منهكة لكنها متماسكة، حيث احتفظت بهيكلها المؤسسي وقدراتها النووية الأساسية، بينما اضطرت الولايات المتحدة إلى القبول بفتح المضيق بشروط إيرانية، وهو ما يعكس توازن ردع متبادل أكثر من كونه انتصاراً أحادياً. ويرى التقرير أن القيمة الأساسية لوقف إطلاق النار تكمن في كونه “شراء للوقت”، لكنه يحذر في المقابل من أن هذا الوقت قد يتحول إلى وهم سياسي إذا جرى التعامل معه كحل دائم.

كما يلفت إلى أن هناك تصدعات بنيوية عميقة، سواء في الملفات الإقليمية أو النووية أو الترتيبات الأمنية، تجعل من احتمال انهيار التهدئة أمراً وارداً خلال فترة قصيرة، خاصة في ظل غياب أي تمثيل حقيقي للمعارضة الإيرانية في المسار التفاوضي، ما يترك مستقبل البلاد رهينة تفاهمات بين طرفين متصارعين على أرضها.

حسابات المعارضة

يقدّم التقرير قراءة دقيقة للحالة النفسية والسياسية داخل أوساط المعارضة الإيرانية، موضحاً أن المزاج العام لا يتسم بالحسم، بل بحالة من التردد والارتباك العميق. فمع اندلاع الحرب، كان هناك رهان لدى بعض أطياف المعارضة، خصوصاً في الخارج، على أن الضربات العسكرية قد تُسرّع سقوط النظام، باعتبارها “أقل تكلفة” من استمرار الوضع القائم بعد عقود من القمع.

غير أن هذا الرهان بدأ يتآكل تدريجياً مع توسع نطاق الضربات لتشمل أهدافاً مدنية وبنى تحتية حيوية، ما أدى إلى تغيير في إدراك الشارع الإيراني، الذي لم يعد يرى في العمليات العسكرية استهدافاً للنظام فقط، بل تهديداً مباشراً لكيان الدولة والمجتمع. ويبرز التقرير كيف استفاد النظام من هذا التحول عبر توظيف الخطاب القومي وتعزيز روايته حول “العدوان الخارجي”.

كما يشير إلى أن بعض رموز المعارضة، بمن فيهم أنصار التيار الملكي، بدأوا يعيدون تقييم مواقفهم، خاصة بعد تزايد الخسائر البشرية داخل البلاد، حيث باتت المقارنة بين “تكلفة التحرير” و”كلفة الدمار” أكثر إلحاحاً. ويخلص إلى أن وقف إطلاق النار لم يُجب عن السؤال المركزي الذي يواجه المعارضة: كيف يمكن تحقيق التغيير دون دفع البلاد إلى حافة الانهيار.

إسلام آباد: الإجراءات لا الجوهر

يرى التقرير أن محادثات إسلام آباد، رغم أهميتها الرمزية، لا تحمل في طياتها فرصاً حقيقية لتحقيق اختراق سياسي سريع، نظراً للفجوة العميقة بين مواقف الأطراف. فالمطالب الإيرانية تركز على تثبيت مكاسبها الاستراتيجية، بما في ذلك الحفاظ على برنامجها النووي والسيطرة على المضيق ورفع العقوبات، بينما تتمسك واشنطن بشروط مضادة تمس جوهر هذه الملفات.

ويشير إلى أن هذه المواقف لا تمثل نقاط تفاوض مرنة، بل خطوطاً حمراء يصعب تجاوزها في إطار زمني قصير، ما يجعل من المرجح أن تقتصر نتائج المحادثات على تمديد وقف إطلاق النار أو فتح قنوات حوار غير مباشرة.

كما يسلط الضوء على الغياب التام للمعارضة الإيرانية عن هذه العملية، معتبراً أن ذلك يحوّل الصراع إلى مسألة ثنائية بين قوتين، رغم أن تداعياته تمس مستقبل مجتمع كامل، وهو ما يعكس خللاً بنيوياً في مسار التفاوض ذاته.

يتناول التقرير صعود دور باكستان كوسيط رئيسي في الأزمة، معتبراً أن هذا التطور يعكس تحولات أوسع في التوازنات الإقليمية والدولية. فإسلام آباد تستفيد من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشابكة مع كل من الولايات المتحدة وإيران والصين ودول الخليج، ما يمنحها قدرة على لعب دور الوسيط المقبول نسبياً من جميع الأطراف.

ويشير إلى أن هذا الدور لا ينفصل عن الطموحات السياسية للقيادة الباكستانية، التي تسعى إلى تعزيز حضورها الدولي، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه تراجع الدور الأوروبي. كما يبرز التأثير الصيني في هذا السياق، حيث يُنظر إلى باكستان كقناة لنقل الرؤية الصينية في إدارة الأزمة.

ومع ذلك، يحذر التقرير من أن هذا الدور قد يدفع باكستان إلى تبني تسويات تخدم مكانتها كوسيط أكثر مما تخدم استقرار إيران على المدى الطويل.

سيناريوهات ما بعد وقف إطلاق النار

يستعرض التقرير مجموعة من السيناريوهات المحتملة لمستقبل التهدئة، مرجحاً أن الخيار الأكثر واقعية هو تمديد وقف إطلاق النار لفترات إضافية، في ظل حاجة الطرفين إلى تجنب التصعيد المباشر. وفي المقابل، يظل احتمال الانهيار قائماً، خاصة إذا فشلت المفاوضات في معالجة القضايا الجوهرية، أو في حال حدوث تصعيد غير محسوب من أطراف إقليمية، مثل إسرائيل، التي لا تشارك بشكل مباشر في المسار التفاوضي. أما سيناريو الاتفاق الجزئي، فيبقى الأقل احتمالاً على المدى القريب، نظراً لتعقيد الملفات المطروحة، لكنه يظل خياراً قائماً إذا ما توفرت إرادة سياسية لتقديم تنازلات محدودة.

ويؤكد التقرير أن فكرة إجبار النظام الإيراني على الاستسلام عبر القوة العسكرية أثبتت عدم واقعيتها، مشيراً إلى أن الأنظمة ذات البنية المؤسسية العميقة لا تنهار بسهولة تحت القصف. ويرجح أن النتيجة النهائية ستكون تسوية غير مكتملة، تسمح لكل طرف بإعلان النصر داخلياً، دون أن تعالج جذور الصراع. وفي هذا السياق، تبقى القضايا الأساسية، مثل البرنامج النووي والدور الإقليمي، دون حل حقيقي.

ويحدد التقرير ثلاثة عوامل رئيسية تهدد استقرار وقف إطلاق النار، تتمثل في التباين حول الساحة اللبنانية، والخلافات بشأن شروط الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى الغموض المتعمد في الموقف الإيراني من التخصيب النووي. ويرى أن هذه الملفات تمثل نقاط احتكاك مباشرة قد تؤدي إلى انهيار التهدئة في أي لحظة، خاصة إذا تم اختبارها عملياً خلال المفاوضات.

الضغط الداخلي مقابل الضغط الخارجي

يقدم التقرير تحليلاً مركباً لدوافع إيران لقبول وقف إطلاق النار، مؤكداً أن العامل الحاسم لم يكن التفوق العسكري للخصوم، بل الخشية من تفكك داخلي. فالحرب جاءت في سياق أزمة داخلية عميقة، شملت احتجاجات واسعة وتدهوراً اقتصادياً، ما جعل استمرار القتال يشكل خطراً على تماسك النظام نفسه.

ويشير التقرير إلى أن النظام الإيراني استطاع على المدى القصير توظيف وقف إطلاق النار لتعزيز روايته السياسية، مقدماً نفسه كمدافع عن الدولة في مواجهة تهديد خارجي. لكن على المدى المتوسط، تبقى التحديات الاقتصادية والاجتماعية قائمة، ما قد يؤدي إلى تآكل هذه الرواية إذا لم يتمكن من تحسين الأوضاع الداخلية.

ويوضح التقرير أن الضربات العسكرية لم تقضِ على القدرات النووية الإيرانية، بل ربما دفعت باتجاه تعقيدها، سواء عبر تسريع البرنامج أو تعزيز سياسة الغموض. ويشير إلى أن المعرفة التقنية لا يمكن تدميرها بالقصف، ما يجعل أي حل عسكري غير كافٍ لمعالجة هذا الملف.

ورغم الخسائر العسكرية، نجحت إيران في إحداث تأثير استراتيجي كبير من خلال إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى اضطراب الأسواق العالمية. ويعكس ذلك، بحسب التقرير، قدرة إيران على تعويض ضعفها العسكري التقليدي بأدوات ضغط غير متكافئة، ما يغير معادلات الردع في المنطقة.

ويبرز التقرير دور الصين وروسيا في إدارة الأزمة، معتبراً أن الصراع لا يمكن فهمه بمعزل عن التنافس بين القوى الكبرى. كما يشير إلى أن غياب أوروبا عن هذا المشهد يعكس تراجعاً في دورها رغم تأثرها المباشر بالنتائج.

وأدى إغلاق المضيق إلى صدمة في أسواق الطاقة، لكن الأهم، وفق التقرير، هو ترسيخ سابقة جديدة تتمثل في قدرة إيران على فرض شروطها على حركة الملاحة. وهذا التطور ستكون له انعكاسات طويلة الأمد على التجارة العالمية وأمن الطاقة.

ويؤكد التقرير أن سلوك إيران ينبع من منطق استراتيجي خاص بها، يختلف عن المفاهيم الغربية، لكنه يظل متسقاً مع أهدافها في الحفاظ على النظام. يختتم التقرير بالتأكيد على أن الحل العسكري وحده غير كافٍ، وأن التحدي الحقيقي يكمن في بناء بديل سياسي قادر على كسب ثقة الداخل الإيراني. ويرى أن الفرصة ما تزال قائمة، لكنها تتطلب تحركاً سريعاً وواقعياً، بعيداً عن حسابات المنفى، نحو مشروع وطني جامع يعيد تعريف مستقبل إيران.