مطيع سعيد المخلافي

مطيع سعيد المخلافي

تابعنى على

باب المندب ومصالح العالم… لماذا تُجمَّد الأزمة اليمنية؟

منذ ساعتان و 55 دقيقة

تبدو الأزمة اليمنية اليوم وكأنها خارج الحسابات الإنسانية، وداخل حسابات المصالح الإقليمية والدولية الضيقة، حيث أصبح موقع اليمن الجغرافي، وفي مقدمتِه باب المندب، أحد أبرز أسباب تجميد الأزمة بدلاً من حلّها.

لقد كشفت الحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية حجم المصالح التي تسعى غالبية دول الإقليم والعالم لتحقيقها، دون اكتراثٍ حقيقي بمعاناة الشعوب أو بما يترتب على الصراعات من أضرار ومصائب وكوارث إنسانية واسعة. ولم يكن إغلاق مضيق هرمز إلا نموذجاً واضحاً لحجم الأضرار التي يمكن أن تلحق بالدول الإقليمية والأوروبية والدولية عند تعطّل خطوط الملاحة الحيوية.

هذه التطورات أوضحت أن هناك شبه توافق إقليمي ودولي على تجميد الأزمة اليمنية وتثبيت الأوضاع الحالية، مع حصر آثارها داخل الحدود اليمنية، بما يمنع انتقال تداعياتها إلى دول الإقليم والممرات البحرية الدولية، وفي مقدمتها باب المندب، الذي يمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية.

ورغم عدم وجود وجهٍ للمقارنة بين قدرات إيران العسكرية وقدرات المليشيات الحوثية، إلا أن دول الإقليم والمجتمع الدولي لا تبدو مستعدة لتحمّل تبعات أي مواجهة قد تؤدي إلى إغلاق باب المندب ولو لفترة وجيزة، وهو ما يجعلها تفضّل بقاء الوضع اليمني في حالة جمود، مهما كانت كلفته على الشعب اليمني.

وفي المقابل، تشير معطيات الواقع إلى أن المليشيات الحوثية تعاني من هشاشة داخلية وتدهور متسارع، وتمرّ بواحدة من أصعب مراحلها، وهو ما يجعل استمرار بقائها مرتبطاً بعوامل خارجية أكثر من كونه ناتجاً عن قوة ذاتية حقيقية.

إن نظرة كثير من دول الإقليم والعالم إلى القضية اليمنية لا تزال محكومة بمنطق الربح والخسارة، حيث يُنظر إلى أي تصعيد عسكري محتمل من زاوية تأثيره على الملاحة الدولية، أكثر من النظر إلى الكارثة الإنسانية المستمرة داخل اليمن منذ أكثر من عقد.

وفي ظل هذه الحسابات، يظلّ الشعب اليمني وحده من يدفع الثمن الأكبر، إذ يعيش سنواتٍ طويلة تحت وطأة الحرب والصراعات والأزمات الاقتصادية والإنسانية، بينما تتسع دائرة المخاطر مع استمرار بقاء المليشيات الحوثية المدعومة من إيران، خصوصاً بعد انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق ستوكهولم وانسحابها من الحديدة. وما ترتب على ذلك من غياب الرقابة الدولية على الميناء، واتاحة المجال أمام الحوثيين لاستخدامه في أنشطة لوجستية وعسكرية تزيد من تعقيد المشهد وتفاقم التحديات القائمة.

إن استمرار تجميد الأزمة اليمنية دون معالجة جذرية لا يعني الاستقرار، بل يعني إطالة أمد الصراع، وتضاعف التهديدات، واتساع دائرة الخطر على دول الجوار والإقليم، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة للحسابات السياسية والعسكرية المرتبطة بهذا الملف.

ولذلك، فإن المرحلة الراهنة تتطلب من دول الجوار والمجتمع الدولي إعادة تقييم نتائج استمرار الجمود، والاعتماد على دراسات علمية وعسكرية دقيقة لحساب العواقب المستقبلية، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة وتأجيل حلّها.

فاليمن لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل، كما أن تجاهل جذور الأزمة لن يؤدي إلا إلى تعقيدها، وزيادة أخطارها على الأمن الإقليمي والدولي، خاصة في ظل موقع اليمن الاستراتيجي وحساسية ممراته البحرية.

إن إنهاء حالة التجميد، والتحرك الجاد نحو حلٍّ شامل، لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة أمنية وإنسانية لحماية المنطقة والعالم، قبل أن تتحول الأزمة اليمنية إلى تهديدٍ أكبر يصعب احتواؤه.