الإمارات تعزز دورها العالمي بمشروع ضخم لمكافحة الملاريا في 18 دولة

السياسية - منذ ساعة و 55 دقيقة
أبوظبي، نيوزيمن:

لم تعد مكافحة الأوبئة تقتصر على احتواء انتشارها، بل باتت تعتمد على استراتيجيات استباقية قائمة على البيانات والتنبؤ المبكر. ويبرز مرض الملاريا كأحد أخطر التحديات الصحية العابرة للحدود، ما يدفع الدول إلى تبني مقاربات أكثر شمولًا لمنع عودته، خصوصًا في المناطق التي نجحت سابقًا في القضاء عليه.

وفي هذا السياق، أعلنت الإمارات العربية المتحدة عن إطلاق مشروع إقليمي واسع النطاق يهدف إلى القضاء على الملاريا ومنع إعادة توطنها في 18 دولة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في خطوة تعكس تصاعد دورها في قيادة الجهود الصحية والإنسانية على المستوى الدولي.

وجاء الإعلان بالتزامن مع إحياء اليوم الدولي للملاريا الذي يصادف 25 أبريل من كل عام، حيث تستند الإمارات في هذه المبادرة إلى تجربتها الوطنية الناجحة، بعد مرور 29 عامًا على خلوها من أي إصابات محلية منذ عام 1997، و19 عامًا على حصولها على إشهاد التخلص النهائي من المرض من قبل منظمة الصحة العالمية في عام 2007.

ويقود المشروع المعهد العالمي للقضاء على الأمراض المعدية، التابع لـمؤسسة إرث زايد الإنساني، تحت عنوان “تحليل البيانات الوطنية لفهم قابلية إعادة توطن الملاريا وتراجعها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، ويهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات علمية متكاملة ترصد العوامل البيئية والصحية والاجتماعية التي ساهمت في انتشار المرض خلال المائة عام الماضية.

ويُعد هذا التوجه القائم على البيانات أحد أبرز ملامح المشروع، حيث يسعى إلى تمكين الدول المستهدفة من تطوير استراتيجيات وقائية دقيقة، تعتمد على تحليل المخاطر المحتملة لعودة المرض، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي قد تخلق بيئات مناسبة لتكاثر البعوض الناقل للملاريا.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل نحو 282 مليون إصابة بالملاريا عالميًا خلال عام 2024، ما يعكس استمرار التحدي رغم الجهود الدولية المبذولة، ويعزز أهمية المبادرات الإقليمية التي تستهدف منع إعادة انتشار المرض.

ولا يقتصر المشروع على الجانب التحليلي فحسب، بل يرتبط أيضًا بجهود أوسع تقودها الإمارات لدعم البرامج الصحية العالمية، حيث تُعد من أبرز المساهمين في تحقيق هدف خفض حالات الملاريا بنسبة 90% بحلول عام 2030، وفق الاستراتيجية التقنية العالمية لمنظمة الصحة العالمية.

وفي هذا الإطار، دعمت الإمارات مبادرات دولية متعددة، من بينها مبادرة لا ملاريا بعد اليوم، وبرنامج بلوغ الميل الأخير، إضافة إلى شراكاتها مع التحالف العالمي للقاحات والتحصين وشراكة دحر الملاريا، ما يعكس نهجًا متكاملاً يجمع بين التمويل والعمل الميداني والدعم المؤسسي.

وعلى المستوى العلمي، يشهد المشروع تطورًا لافتًا من خلال إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الوبائية، حيث أنجز باحثون من جامعة الإمارات العربية المتحدة، بالتعاون مع معهد التكنولوجيا الهندي في مدراس – زنجبار، دراسة رائدة تقدم نموذجًا جديدًا للتنبؤ بانتشار الملاريا، عبر دمج متغيرات بيئية مثل درجات الحرارة والارتفاعات الجغرافية ضمن نماذج رياضية متقدمة.

ويسمح هذا النهج بمحاكاة أكثر دقة لانتشار المرض، خاصة في المناطق المعرضة لتقلبات مناخية، ما يعزز قدرة الأنظمة الصحية على الاستجابة المبكرة وتقليل مخاطر التفشي.

وفي الداخل، تواصل الإمارات تعزيز منظومتها الصحية الوقائية عبر وزارة الصحة ووقاية المجتمع، من خلال برامج الترصد الوبائي والكشف المبكر عن الحالات الوافدة، بما يضمن الحفاظ على خلو الدولة من المرض، ويعكس نموذجًا يمكن الاستفادة منه إقليميًا.

ويكتسب هذا المشروع أهمية خاصة في ظل التحديات المشتركة التي تواجه دول المنطقة، حيث يسهم في بناء قاعدة معرفية موحدة، وتعزيز التعاون الإقليمي في مجال الصحة العامة، بما يدعم الانتقال من الاستجابة للأزمات إلى الوقاية منها.

ويؤكد هذا التحرك أن مكافحة الملاريا لم تعد مجرد قضية صحية، بل أصبحت جزءًا من منظومة الأمن الإنساني والاستقرار التنموي، ما يجعل من الاستثمار في الوقاية والبحث العلمي أداة أساسية لحماية المجتمعات وضمان استدامة التنمية في المنطقة.