عرض 12 قطعة من آثار اليمن في مزاد أمريكي
السياسية - منذ 3 ساعات و 39 دقيقة
عدن، نيوزيمن:
تعد قضية تهريب الآثار اليمنية أحد أكثر الملفات إلحاحًا وتعقيدًا، مع استمرار ظهور قطع نادرة في مزادات دولية، بعيدًا عن سياقها التاريخي والجغرافي. ويعكس هذا الواقع فجوة كبيرة بين الجهود الدولية لحماية التراث، والواقع الميداني الذي يسمح بتسرب كنوز حضارية تعود لآلاف السنين إلى الأسواق العالمية.
وكشف الباحث اليمني المتخصص في تتبع الآثار المهربة عبدالله محسن عن عرض 12 قطعة أثرية نادرة من آثار اليمن ضمن مزاد تنظمه دار فريمانز في شيكاغو يوم 20 مايو 2026، ضمن مجموعة تضم أكثر من 120 قطعة أثرية تعود لحضارات متعددة، جُمعت جميعها في حيازة مالك واحد.
وأوضح محسن أن القطع اليمنية المعروضة تمثل نماذج متقدمة من فنون النحت في جنوب الجزيرة العربية، حيث تتنوع بين تماثيل واقفة، ورؤوس آدمية، وشواهد جنائزية، وتماثيل نصفية مصنوعة من الألباستر والحجر الجيري. ويعود تأريخ هذه القطع في معظمها إلى الفترة الممتدة بين القرن السابع قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، وهي فترة ازدهار حضاري شهدت تطورًا ملحوظًا في البنية الدينية والاجتماعية والتجارية في اليمن القديم.
وبيّن أن هذه القطع لا تُعد مجرد أعمال فنية، بل تمثل شواهد مادية على منظومة ثقافية متكاملة، تعكس طقوس الدفن، والرمزية الدينية، ومكانة الفرد في المجتمع، إضافة إلى مهارات النحت والتصوير التي تميزت بها حضارات مثل سبأ وحِمير. وتبرز من بين المعروضات تماثيل ورؤوس بشرية تحمل ملامح دقيقة، إلى جانب شواهد قبور منقوشة بخط المسند، ما يمنحها أهمية مزدوجة تجمع بين القيمة الفنية والتوثيقية.
وتشمل القطع البارزة تمثالًا لرجل واقف من الألباستر يبلغ ارتفاعه 58 سم، ويُعد من أكبر القطع وأكثرها قيمة تقديرية، ويعود إلى ما بين القرن الثالث والأول قبل الميلاد. كما تضم المجموعة شاهدًا جنائزيًا صغيرًا نسبيًا بوجه منحوت، ورؤوسًا بشرية تجسد أساليب النحت الجنائزي، إضافة إلى شاهد قبر مزدوج يحمل نقوشًا مسندية، ما يجعله مصدرًا مهمًا لدراسة الكتابات القديمة.
كما تحتوي المجموعة على تماثيل نصفية لنساء ورجال تعكس أنماط الزينة واللباس، من بينها تمثال نصفي لسيدة ترفع يدها وتحمل رموزًا زراعية، في إشارة محتملة إلى دلالات دينية أو اجتماعية، فضلًا عن زوج من التماثيل الجالسة التي تُعد الأقدم ضمن المجموعة، ويعود تاريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد، إضافة إلى تمثال لمحارب واقف يُجسد رمزية القوة والمكانة.
ولم تقتصر أهمية هذه القطع على خصائصها الفنية والتاريخية، بل تمتد إلى مسارات انتقالها الحديثة، والتي تكشف عن شبكة معقدة من التداول الدولي. إذ تشير سجلات الملكية إلى أن هذه القطع انتقلت عبر عدة دول، من بينها لبنان وبلجيكا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا، قبل أن تصل إلى أسواق الفن في نيويورك ولندن، مرورًا بصالات عرض ومزادات عالمية مثل غاليري أريادني، ودار بونهامز، وبيير بيرجيه وشركاه.
وتثير هذه المسارات، بحسب محسن، تساؤلات جدية حول قانونية خروج هذه القطع من اليمن، خاصة في ظل غياب توثيق واضح يثبت ملكيتها أو تصديرها بشكل قانوني، وهو ما يعزز الشكوك بشأن ارتباطها بعمليات تهريب تمت خلال عقود سابقة، وربما تفاقمت مع تدهور الأوضاع الأمنية خلال السنوات الأخيرة.
ويضع هذا التطور الجهات المعنية بحماية التراث أمام اختبار حقيقي، في ظل الحاجة إلى تحرك قانوني ودبلوماسي للتحقق من أصول هذه القطع، والعمل على استعادتها أو على الأقل وقف بيعها، خاصة مع اقتراب موعد المزاد. كما يعيد تسليط الضوء على أهمية تفعيل الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية الممتلكات الثقافية، وتعزيز التعاون بين الدول لمكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار.
وفي ختام تصريحه، طرح الباحث تساؤلًا مفتوحًا يعكس حجم القلق المتزايد: هل تتحرك الجهات المختصة لإنقاذ ما تبقى من التراث اليمني، أم أن هذه القطع ستنضم إلى قائمة طويلة من الآثار التي غادرت البلاد بلا عودة، لتُعرض وتُباع في مزادات العالم، بعيدًا عن موطنها الأصلي؟
>
