سجون الحوثيين.. موت بطيء خلف القضبان
السياسية - منذ 4 ساعات و 20 دقيقة
الحديدة، نيوزيمن، خاص:
تتصاعد الاتهامات الموجهة إلى جماعة الحوثي بشأن توسيع دائرة الانتهاكات داخل السجون والمعتقلات الخاضعة لسيطرتها، في ظل تزايد حالات الوفاة والانهيار الصحي بين السجناء، وسط أوضاع إنسانية توصف بأنها من بين الأسوأ في البلاد منذ سنوات الحرب.
وفي محافظة إب، الخاضعة لسيطرة الجماعة، تتكشف تباعاً شهادات وتقارير حقوقية تتحدث عن واقع مأساوي يعيشه المحتجزون داخل السجون الرسمية والمعتقلات السرية، في ظل اتهامات متكررة للحوثيين بممارسة الإهمال الطبي المتعمد والتعذيب وسوء المعاملة، وحرمان السجناء من أبسط الحقوق الإنسانية التي تكفلها القوانين الدولية.
وتقول مصادر حقوقية ومحلية إن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعداً مقلقاً في حالات الوفاة داخل الإصلاحية المركزية بمدينة إب وسجن الأمن السياسي وعدد من المعتقلات التابعة للجماعة في المديريات المختلفة، في وقت تتزايد فيه الشكاوى من الاكتظاظ الحاد، وغياب الرعاية الصحية، وسوء التغذية، وانعدام النظافة والتهوية داخل الزنازين.
"إهمال طبي قاتل"
ومن بين أبرز الوقائع التي أثارت صدمة واسعة، وفاة السجين موسى صالح محمد الجبري داخل السجن المركزي في إب، بعد معاناة طويلة مع المرض، وفق ما أكدته مصادر محلية، أشارت إلى أن أسرته ظلت لأشهر تناشد إدارة السجن السماح بنقله إلى مستشفى متخصص، غير أن تلك المناشدات قوبلت بالمماطلة والتجاهل حتى وصلت حالته إلى مرحلة حرجة انتهت بوفاته.
ويصف حقوقيون الحادثة بأنها نموذج صارخ لما يسمونه "الإهمال الطبي القاتل"، مؤكدين أن كثيراً من المرضى داخل السجون الحوثية يُتركون لمواجهة مصيرهم دون علاج، ولا يُنقلون إلى المستشفيات إلا بعد تدهور أوضاعهم الصحية بشكل يصعب معه إنقاذ حياتهم.
وفي حادثة أخرى أثارت جدلاً واسعاً، توفي السجين حسن عبده علي اليافعي داخل أحد المعتقلات الحوثية في مديرية جبلة جنوب غربي إب. وبينما أعلنت إدارة السجن أن اليافعي أنهى حياته شنقاً داخل زنزانته، شكك ناشطون وأقارب الضحية في الرواية الرسمية، متحدثين عن ملابسات غامضة تحيط بوفاته، خصوصاً مع الحديث عن تعرضه لضغوط نفسية قاسية واحتجازه لفترة تتجاوز المدة القانونية.
كما تحدثت تقارير محلية عن وفاة نزيل ثالث، هو عبد الكريم الفقيه، داخل سجن تابع لنيابة مديرية ذي السفال، دون تقديم أي توضيحات رسمية بشأن أسباب الوفاة، ما عمّق المخاوف بشأن ما يجري داخل السجون التابعة للجماعة في المحافظة.
ويؤكد ناشطون أن غالبية سجون إب تعيش أوضاعاً كارثية نتيجة الاكتظاظ الشديد وتدفق المعتقلين والموقوفين على خلفيات سياسية وأمنية واجتماعية، في ظل بنية تحتية متهالكة وغير قادرة على استيعاب هذا العدد الكبير من المحتجزين.
وتشير إفادات محلية إلى أن بعض السجناء يُحتجزون داخل زنازين ضيقة ومعتمة تفتقر للتهوية والإضاءة الطبيعية، مع نقص حاد في المياه النظيفة والرعاية الصحية والغذائية، الأمر الذي أدى إلى انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية والمعدية بين النزلاء، خصوصاً كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.
كما يتحدث حقوقيون عن تعرض محتجزين بشكل متكرر للضرب والإهانة والحرمان من الزيارات ومنع التواصل مع أسرهم لفترات طويلة، إلى جانب غياب أي رقابة طبية مستقلة على أوضاعهم الصحية.
اعترافات حوثية
وفي محافظة الحديدة، تتشابه الصورة إلى حد كبير، حيث كشفت اعترافات صادرة من داخل الجماعة نفسها عن جانب من الأوضاع المأساوية التي تعيشها السجون الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وأقر القيادي الحوثي علي ناصر قرشة، في منشور على صفحته بموقع فيسبوك، بتردي أوضاع السجون في مديريات المنصورية والجراحي وبيت الفقيه، عقب زيارة ميدانية نفذها إلى عدد من تلك السجون.
وأكد قرشة أن السجون تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية، بما في ذلك وسائل التهوية والتبريد ودورات المياه الصالحة للاستخدام، رغم درجات الحرارة المرتفعة، ما يضاعف من معاناة السجناء. وأشار إلى أن الجهات التابعة لسلطة الحوثيين، بما فيها هيئة الزكاة والأوقاف والنيابة العامة وهيئة التفتيش، تجاهلت أوضاع السجون بشكل كامل ولم تنفذ أي زيارات ميدانية لتفقد أحوال النزلاء.
وتؤكد منظمات حقوقية محلية ودولية أن السجون الحوثية، الرسمية منها والسرية، تحولت إلى مراكز ممنهجة للتعذيب الجسدي والنفسي بحق المختطفين، بمن فيهم كبار السن والمرضى والنساء والأطفال.
وتقول منظمة مساواة للحقوق والحريات إنها تمتلك مئات الوثائق والشهادات التي توثق تعرض محتجزين للضرب المبرح والصعق الكهربائي والحبس الانفرادي والحرمان من العلاج لفترات طويلة. كما تحدثت تقارير عن أنماط ممنهجة من الإخفاء القسري والتعذيب، اعتبرتها منظمات حقوقية ترقى إلى مستوى "جرائم ضد الإنسانية"، في ظل استمرار غياب أي مساءلة دولية فعلية.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الاتهامات الموجهة لجماعة الحوثي بتوسيع شبكة السجون والمعتقلات السرية في مناطق سيطرتها، وهي مرافق لا تخضع لأي إشراف قضائي أو قانوني، ويُحتجز فيها مدنيون ومختطفون قسراً في ظروف توصف بأنها أكثر قسوة من السجون الرسمية.
وكانت منصة ضمير الحقوقية قد كشفت في تقرير سابق عن وجود أكثر من 14 معتقلاً سرياً في محافظة إب، تديرها قيادات ومشرفون أمنيون تابعون للجماعة، ويتمركز معظمها داخل معسكرات أو منشآت مدنية جرى تحويلها إلى أماكن احتجاز.
وبحسب التقرير، تشمل تلك المواقع معسكر الحمزة في ميتم، ومعسكر القوات الخاصة في منطقة شبان، ومعتقل اللواء 55 في يريم، إضافة إلى سجون داخل المركز الثقافي ونادي الاتحاد وملعب الكبسي ومرافق تابعة لجهاز الأمن السياسي.
وتؤكد تقارير حقوقية أن تلك المعتقلات تُستخدم لاحتجاز المدنيين خارج إطار القانون، مع ممارسة ضغوط نفسية وجسدية عليهم، وانتزاع اعترافات بالقوة، وابتزاز أسرهم مالياً مقابل الإفراج عنهم.
آلاف الضحايا والانتهاكات
وفي بيان حديث، قالت الهيئة اليمنية الوطنية للأسرى والمختطفين إنها وثقت 2388 حالة تعذيب و324 وفاة داخل السجون الحوثية، بينها 12 طفلاً وامرأتان، نتيجة التعذيب المباشر أو الإهمال الطبي. وأوضحت الهيئة أن بين ضحايا التعذيب 275 امرأة و67 طفلاً، مؤكدة أن هذه الأرقام تعكس سياسة ممنهجة وليست حوادث فردية معزولة.
وأضافت الهيئة أن جماعة الحوثيين تدير نحو 778 مركز احتجاز في 17 محافظة يمنية، تشمل سجوناً رسمية وسرية وخاصة، تُمارس فيها أنماط متعددة من التعذيب والانتهاكات، بينها الضرب والتعليق والحرق والصعق الكهربائي والحرمان من العلاج والإهانات الجنسية والابتزاز المالي.
وفي تقرير منفصل، كشفت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية عن توثيق أكثر من 17 ألف حالة تعذيب جسدي، و2300 حالة إخفاء قسري، و671 حالة وفاة داخل السجون الحوثية نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو التصفية الجسدية.
وأكدت منظمات حقوقية أن تلك الممارسات تتعارض بشكل كامل مع القانون الدولي الإنساني وأحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، محذرة من أن استمرار الصمت الدولي يمنح الجماعة غطاءً للاستمرار في هذه الانتهاكات.
وفي ظل تصاعد هذه الانتهاكات، تتزايد الدعوات الحقوقية المطالبة بتدخل دولي عاجل لتشكيل لجان تحقيق مستقلة، وإغلاق السجون السرية، والإفراج عن المختطفين والمخفيين قسراً، والسماح للمنظمات الدولية بزيارة أماكن الاحتجاز وتقييم أوضاعها الإنسانية.
وفي هذا الإطار، عقدت اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، الثلاثاء، مباحثات مع وفد من منظمة نداء جنيف في مدينة عدن، لبحث تعزيز التعاون الفني في ملفات السجون وأماكن الاحتجاز وقضايا الاختفاء القسري.
وكشف نائب رئيس اللجنة حسين المشدلي أن اللجنة تعمل حالياً على إعداد تقرير خاص بشأن أوضاع السجون في اليمن، داعياً إلى دعم الجهود المتعلقة بفحص رفات ضحايا الاختفاء القسري وتعزيز آليات التوثيق والمساءلة.
ويرى حقوقيون أن استمرار الانتهاكات داخل السجون الحوثية، في ظل غياب أي رقابة حقيقية أو محاسبة، ينذر بمزيد من الكوارث الإنسانية، ويكشف حجم المعاناة الصامتة التي يعيشها آلاف المختطفين والمحتجزين خلف القضبان في مناطق سيطرة الجماعة.
>
