تحليل: تصاعد نفوذ الإسلاميين داخل الجيش السوداني يربك جهود السلام

السياسية - منذ ساعتان و 28 دقيقة
لندن، نيوزيمن، خاص:

في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لوقف الحرب المدمرة في السودان، تتعاظم في المقابل المخاوف من أن البلاد تسير نحو مسار أكثر تعقيدًا وخطورة، مع تنامي نفوذ التيارات الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، وهو تطور يرى مراقبون أنه لا يهدد فقط فرص التسوية السياسية، بل قد يعيد إنتاج نموذج الحكم الذي قاد السودان لعقود إلى العزلة والصراعات والانهيار الداخلي.

فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم تعد تُقرأ باعتبارها مجرد صراع على السلطة بين جنرالين متنافسين، بل تحولت تدريجيًا إلى معركة مفتوحة على هوية الدولة السودانية ومستقبل النظام السياسي، وسط مؤشرات متزايدة على عودة الإسلاميين إلى قلب المعادلة العسكرية والأمنية مستفيدين من الفوضى والانهيار الذي خلفته الحرب.

وفي تحليل موسع نشرته صحيفة العرب اللندنية، حذرت الصحيفة من أن استمرار التردد الدولي في التعامل مع الأزمة السودانية يمنح التيارات الإسلامية مساحة أوسع لإعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا المؤسسة العسكرية، بما قد يؤدي إلى تقويض أي مسار مستقبلي لبناء دولة مدنية أو التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة.

وبحسب التحليل، فإن الصراع الذي بدأ كمواجهة بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، كشف خلال العامين الماضيين عن تحولات أعمق داخل بنية السلطة السودانية، أبرزها عودة شبكات الإسلاميين إلى الواجهة بعد سنوات من تراجع نفوذها عقب سقوط نظام عمر البشير في عام 2019.

وترى الصحيفة أن الضغوط العسكرية التي واجهها الجيش السوداني والخسائر التي تعرض لها في عدة جبهات دفعته إلى إعادة ترتيب تحالفاته الداخلية، عبر الاستعانة بفصائل وشخصيات ذات خلفيات إسلامية، بعضها مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين السودانية أو بتنظيمات متشددة ظهرت خلال السنوات الأخيرة.

ولم تعد هذه التحركات، وفق التحليل، مجرد ترتيبات ميدانية فرضتها ضرورات الحرب، بل باتت تعكس توجهًا سياسيًا وأمنيًا لإعادة تمكين الإسلاميين داخل مفاصل الدولة، مستفيدين من انهيار المؤسسات المدنية وتراجع نفوذ القوى السياسية التي قادت الحراك الشعبي ضد نظام البشير.

وتزايد القلق الدولي بصورة أكبر بعد إعلان الولايات المتحدة، في مارس الماضي، تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية والجناح المسلح المرتبط بها، المعروف باسم كتيبة البراء بن مالك، ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية العالمية.

واعتبرت دوائر أمريكية وغربية أن هذا التصنيف يعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة تنامي نفوذ الجماعات الإسلامية المسلحة داخل السودان، وما قد يشكله ذلك من تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي والمصالح الغربية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وبحسب الصحيفة، فإن الحرب الحالية منحت الإسلاميين فرصة ثمينة لاستعادة مواقعهم داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، مستفيدين من خبرتهم التنظيمية وقدرتهم على الحشد والتعبئة، في وقت تراجعت فيه القوى المدنية وفقدت قدرتها على التأثير بفعل الانقسامات والظروف الأمنية المعقدة.

وفي هذا السياق، برزت "كتيبة البراء بن مالك" كأحد أبرز الفصائل المسلحة ذات الخلفية الإسلامية المنخرطة في الحرب إلى جانب الجيش السوداني، وسط اتهامات حقوقية ودولية بمشاركتها في انتهاكات واسعة ضد المدنيين، إلى جانب تبنيها خطابًا تعبويًا متشددًا يعيد إلى الأذهان سنوات الصراع الأيديولوجي خلال حكم البشير.

كما سلط التحليل الضوء على تصاعد نفوذ شخصيات عسكرية محسوبة على التيار الإسلامي، وفي مقدمتها الفريق ياسر العطا، الذي يُنظر إليه باعتباره من أبرز الداعمين لدمج الفصائل الإسلامية داخل الجيش.

وأشارت الصحيفة إلى أن ظهور العطا في مناسبات ردد خلالها شعارات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين أثار مخاوف متزايدة من أن الجيش السوداني يتجه تدريجيًا للتحول إلى مؤسسة أكثر التصاقًا بالمشروع الإسلامي السياسي، في تحول قد يعيد البلاد إلى مرحلة ما قبل سقوط البشير.

ويرى مراقبون أن إعادة هيكلة الجيش خلال الحرب فتحت المجال أمام تمدد الضباط الإسلاميين داخل مواقع حساسة في القيادة العسكرية والأجهزة الاستخباراتية، وهو ما يهدد أي عملية مستقبلية لإعادة بناء الدولة على أسس مدنية أو توافقية.

وفي موازاة ذلك، حذرت الصحيفة من أن صعود الإسلاميين داخل الجيش يضيف بعدًا أكثر تعقيدًا إلى الأزمة السودانية، إذ تخشى العواصم الغربية والقوى المدنية السودانية من أن تنتهي أي تسوية سياسية مستقبلية بإعادة إنتاج النظام السابق بصيغة جديدة، يكون فيها الإسلاميون أكثر حضورًا داخل مؤسسات الحكم والأمن.

كما تزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى دفع بعض الفصائل نحو مزيد من التشدد والراديكالية، خاصة مع تداول تصريحات لقيادات محسوبة على التيار الإسلامي تتحدث عن استخدام وسائل "أكثر حسمًا" في الحرب، في ظل سجل سابق للجيش السوداني خلال عهد البشير يتعلق باتهامات باستخدام أسلحة محرمة أو غير تقليدية في النزاعات الداخلية.

وفي هذا السياق، أشارت تقارير غربية إلى مزاعم تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية في نزاعات سابقة، إلى جانب اتهامات أخرى باستخدام براميل متفجرة تحتوي على غاز الكلور خلال الحرب الحالية، رغم صعوبة التحقق الكامل من تلك الاتهامات.

وأكدت الصحيفة أن تداعيات الأزمة السودانية لم تعد محصورة داخل حدود البلاد، بل باتت تشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي، في ظل موجات النزوح الضخمة نحو دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية.

كما حذرت من أن استمرار الفوضى في السودان قد يحوله إلى ساحة نفوذ مفتوحة للقوى الإقليمية والتنظيمات المرتبطة بإيران، خاصة مع الحديث عن علاقات تربط بعض الجماعات الإسلامية السودانية بشبكات إقليمية أوسع.

وترى الصحيفة أن التردد الدولي في التعامل مع الأزمة يمنح الجماعات الإسلامية فرصة لترسيخ نفوذها داخل الدولة السودانية، في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل واشنطن لتبني سياسة أكثر حزمًا تشمل فرض عقوبات إضافية على القيادات العسكرية المرتبطة بالتيارات الإسلامية، وتوسيع الضغوط الدبلوماسية لعزل الشخصيات المتهمة بدعم الجماعات المتشددة أو عرقلة جهود السلام.

كما تدعو أطراف دولية إلى إطلاق عملية سياسية شاملة برعاية الأمم المتحدة والقوى الإقليمية، بهدف التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وبدء مرحلة انتقالية تمنع احتكار السلطة من قبل أي تيار أيديولوجي أو عسكري.

لكن الصحيفة ترى أن الوصول إلى مثل هذه التسوية يبدو بالغ الصعوبة في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية، والانقسامات الداخلية الحادة، وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة، مؤكدة أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين طرفين متنافسين، بل تحولت إلى صراع مفتوح على مستقبل السودان وهويته السياسية.

وفي ظل تعثر جهود الوساطة الدولية، يواصل المدنيون دفع الثمن الأكبر للحرب، مع اتساع رقعة المجاعة والانهيار الاقتصادي وتفاقم الأزمة الإنسانية، بينما تشير تقديرات أممية إلى أن ملايين السودانيين باتوا بحاجة إلى مساعدات عاجلة في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة للوصول إلى المناطق المتضررة.

واختتمت الصحيفة تحليلها بالتأكيد على أن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق بالغ الحساسية؛ فإما نجاح الضغوط الدولية والإقليمية في فرض مسار سياسي يعيد بناء الدولة على أسس مدنية وتوافقية، أو انزلاق البلاد نحو مرحلة أكثر خطورة تتحول فيها الحرب الأهلية إلى صراع طويل بين المشاريع الأيديولوجية والمصالح الإقليمية المتشابكة، بما يهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بأكملها.