تأخر المرتبات وارتفاع أسعار الأضاحي.. العيد يتحول إلى عبء على المواطنين
الجنوب - منذ 3 ساعات و 4 دقائق
المكلا، نيوزيمن، خاص:
في أسواق المواشي بمدينة المكلا، لم يعد اقتراب عيد الأضحى يحمل البهجة ذاتها التي اعتاد عليها اليمنيون، بل تحوّل بالنسبة لكثير من الأسر إلى موسم جديد من القلق والعجز المعيشي، في ظل استمرار تأخر صرف المرتبات وارتفاع أسعار الأضاحي إلى مستويات غير مسبوقة، وسط تدهور اقتصادي يفاقم معاناة المواطنين يوماً بعد آخر.
المواطن أبو عماد الهجري، وهو موظف حكومي من أبناء المكلا، يجسد جانباً من هذه المعاناة المتفاقمة. فبينما كان يتنقل بين باعة المواشي بحثاً عن أضحية تناسب دخله المحدود، اصطدم بأسعار تفوق قدرته الشرائية بأضعاف. يقول إن راتبه الشهري لا يتجاوز 80 ألف ريال يمني، أي ما يعادل نحو 200 ريال سعودي، في وقت لم يتسلم فيه راتب شهر أبريل، كما يقترب شهر مايو من نهايته دون صرف المرتبات.
وأضاف في حديثه لـ"نيوزيمن" أنه اضطر هذا العام إلى الاكتفاء بحجز نحو كيلوغرامين فقط من لحم الأضحية مقابل 40 ألف ريال يمني، أي ما يقارب 100 ريال سعودي، بعد أن أصبحت الأضاحي البلدية تُباع بأسعار تصل إلى ألف ريال سعودي، وهو مبلغ يفوق راتبه بعدة مرات.
وتتكرر هذه الصورة في معظم أسواق المواشي في حضرموت، حيث يستقبل المواطنون عيد الأضحى وسط موجة غلاء متصاعدة وارتفاعات مستمرة في أسعار الأغنام والمواشي، سواء البلدية أو المستوردة من القرن الأفريقي، خصوصاً من الصومال والدول المجاورة.
ويقول مواطنون في سوق المواشي بالمكلا إن الأسعار تُحدد بصورة عشوائية ودون أي رقابة فعلية، مؤكدين أن “كل تاجر يبيع على هواه”، في ظل غياب الضبط الحكومي وضعف الرقابة على الأسواق، الأمر الذي فتح المجال أمام المضاربة ورفع الأسعار بصورة كبيرة.
وبحسب مواطنين وتجار، فإن أسعار المواشي المستوردة تتراوح حالياً بين 190 و250 ألف ريال يمني، فيما تشهد الأضاحي البلدية ارتفاعاً أكبر بكثير، إذ تُباع غالباً بالعملة السعودية، وتتجاوز بعض الأنواع حاجز الألف ريال سعودي، ما يجعل شراء الأضحية حلماً بعيد المنال بالنسبة لمعظم الموظفين وذوي الدخل المحدود.
ومع اتساع الأزمة، لجأت بعض الأسر إلى الاشتراك فيما بينها لشراء أضحية واحدة وتقاسم تكلفتها، في مشهد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تعيشها العائلات في المحافظة، خاصة مع استمرار انهيار العملة المحلية وارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية.
ومع الارتفاع الحاد في أسعار الأضاحي، اتجه كثير من المواطنين في حضرموت إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة، حيث فضّلت بعض الأسر شراء الدجاج أو الأسماك لتوفير وجبات العيد بدلاً من شراء الأضاحي التي أصبحت خارج قدرتهم الشرائية.
ويقول مواطنون إن الأوضاع المعيشية الصعبة وتأخر صرف المرتبات دفعا كثيراً من العائلات إلى التخلي عن شراء الأضحية هذا العام، والاكتفاء بما يمكن توفيره من اللحوم البيضاء أو الأسماك التي تُعد الخيار الأقل كلفة مقارنة بأسعار الأغنام والمواشي المرتفعة.
ويرى مراقبون أن أزمة الأضاحي هذا العام لا تنفصل عن الأزمة الاقتصادية الأوسع التي تعصف بالبلاد، حيث أدى تأخر صرف المرتبات وتراجع القوة الشرائية إلى انكماش واضح في حركة الأسواق، حتى مع اقتراب العيد الذي كان يمثل سابقاً موسماً للانتعاش التجاري.
من جانبهم، أكد مسؤولون محليون في مكتب وزارة الزراعة والثروة الحيوانية بساحل حضرموت أن معالجة الارتفاع الكبير في الأسعار تتطلب تدخلاً حكومياً عاجلاً، من خلال استيراد المواشي عبر المؤسسة الاقتصادية اليمنية، بما قد يسهم في خفض الأسعار إلى النصف وكسر احتكار التجار للسوق.
وأوضح مدير إدارة الصحة الحيوانية والحجر البيطري بمديريات ساحل حضرموت، عبدالسلام سعد باعطير، أن أسعار الأضاحي تتراوح حالياً بين 400 و600 ريال سعودي، بينما تصل بعض الأنواع إلى نحو ألف ريال سعودي، مرجعاً ذلك إلى جملة من العوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف النقل والجمارك والاستيراد.
وقال باعطير في تصريحات له إن عمليات البيع والشراء تخضع لآلية العرض والطلب، كما أن حجم الاستيراد يلعب دوراً مباشراً في تحديد الأسعار، مشيراً إلى أن تكاليف النقل الداخلي والجمارك انعكست بشكل كبير على أسعار المواشي في الأسواق المحلية.
وأضاف أن هناك عزوفاً واضحاً لدى المواطنين عن شراء الأضاحي هذا العام بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، موضحاً أن الجزء الأكبر من عمليات الشراء يتم حالياً عبر الجمعيات الخيرية التي تتولى توزيع لحوم الأضاحي على الأسر المحتاجة.
وكشف باعطير أن عمليات استيراد المواشي ما تزال مستمرة، حيث استقبلت سواحل حضرموت خلال الأيام الماضية ما بين خمس إلى سبع سفن شراعية محملة بأكثر من عشرة آلاف رأس من الأغنام، مؤكداً أن الاستيراد يجري دون عوائق كبيرة، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في ارتفاع الرسوم والتكاليف التشغيلية.
وحمل الحكومة مسؤولية تفاقم الأزمة، داعياً إلى مراجعة رسوم الجمارك وتكاليف النقل والتدخل لضبط الأسواق ومنع التلاعب بالأسعار، بما يخفف من الأعباء المعيشية الثقيلة التي تثقل كاهل المواطنين، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى.
ويؤكد مواطنون أن استمرار تأخر المرتبات وغياب المعالجات الاقتصادية الفعلية يهددان بتحويل المناسبات الدينية والاجتماعية إلى مواسم للمعاناة، في وقت باتت فيه القدرة على شراء الأضحية أو حتى توفير احتياجات العيد الأساسية أمراً يفوق إمكانات شريحة واسعة من اليمنيين.
>
