بعد أشهر من الإعلان.. الغموض يلاحق الحوار الجنوبي الذي أعلنت الرياض رعايته
الجنوب - منذ ساعتان و 3 دقائق
عدن، نيوزيمن، تقرير خاص:
منذ إعلان المملكة العربية السعودية رعايتها لحوار جنوبي - جنوبي في العاصمة الرياض، ظل هذا الملف حاضراً في صدارة النقاشات السياسية الجنوبية، وسط تباين في التقديرات بشأن أهدافه وفرص نجاحه ومستقبل مساره. فبينما اعتبره البعض خطوة مهمة نحو إعادة ترتيب المشهد الجنوبي وتخفيف حدة الاستقطاب السياسي، رأى آخرون أنه ما يزال مشروعاً غامض المعالم لم ينتقل بعد من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة التنفيذ العملي.
وجاء طرح فكرة الحوار في توقيت استثنائي اتسم بحساسية سياسية وأمنية كبيرة، عقب التوترات التي شهدتها محافظة حضرموت وما رافقها من تصاعد في الخطاب السياسي وتنامي المخاوف من اتساع دائرة التوترات وانتقالها إلى بقية محافظات الحتوب، الأمر الذي منح المبادرة منذ لحظة الإعلان عنها أهمية خاصة بوصفها محاولة لاحتواء التداعيات ومنع انتقالها إلى مراحل أكثر تعقيداً.
سياق سياسي معقد
عندما أُعلن عن الحوار، كانت الساحة الجنوبية تمر بمرحلة دقيقة اتسمت بارتفاع منسوب التوتر السياسي وتزايد المخاوف من انعكاسات الخلافات القائمة على الاستقرار في محافظات الجنوب. وفي ظل هذه الأجواء، بدا أن الحاجة إلى إطار سياسي جامع للحوار أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ورغم الترحيب الذي قوبلت به المبادرة في بدايتها، فإن الأشهر اللاحقة لم تشهد خطوات معلنة توضح مسارها التنفيذي أو تكشف عن ترتيبات عملية لانعقادها، وهو ما أبقى الملف في دائرة الانتظار وأثار تساؤلات متزايدة حول أسباب التأخير وطبيعة العقبات التي تعترض انطلاقه.
أسئلة بلا إجابات
لا يزال الغموض يحيط بعدد من القضايا الجوهرية المرتبطة بالحوار المرتقب، وفي مقدمتها طبيعة الأطراف المشاركة، وآليات التمثيل، والقضايا التي ستوضع على جدول الأعمال، إضافة إلى طبيعة المخرجات المتوقعة والضمانات الكفيلة بتحويل أي تفاهمات محتملة إلى خطوات قابلة للتنفيذ.
ويؤكد مراقبون أن وضوح هذه العناصر يمثل شرطاً أساسياً لبناء الثقة في أي عملية حوارية، خصوصاً في ظل تعدد الفاعلين السياسيين واختلاف رؤاهم تجاه القضايا المرتبطة بمستقبل الجنوب وشكل العملية السياسية القادمة.
وفي المقابل، يرى آخرون أن التعقيدات السياسية المحيطة بالمشهد الجنوبي تجعل من الطبيعي أن تستغرق الترتيبات الأولية وقتاً طويلاً، خاصة إذا كان الهدف الوصول إلى حوار واسع يضم مختلف القوى المؤثرة ويؤسس لتفاهمات أكثر استدامة.
هل حقق الإعلان هدف التهدئة؟
من بين القراءات السياسية المتداولة أن الإعلان عن الحوار أسهم، ولو بصورة مؤقتة، في تخفيف حدة الاحتقان الذي رافق أحداث حضرموت، إذ منح انطباعاً بوجود تحرك سياسي وإقليمي لمعالجة التوترات ومنع تفاقمها.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن المبادرة جاءت في ذروة الأزمة، ما جعلها تؤدي دوراً مهماً في تهدئة المخاوف وامتصاص حالة التوتر السائدة آنذاك، حتى وإن لم تُترجم بعد إلى خطوات عملية ملموسة.
في المقابل، يرفض آخرون اختزال المبادرة في هذا البعد فقط، معتبرين أن الحوارات السياسية الكبرى بطبيعتها تحتاج إلى إعداد طويل واتصالات معقدة، وأن الحكم على نجاحها أو تعثرها لا ينبغي أن يستند إلى عامل الزمن وحده، بل إلى طبيعة النتائج التي يمكن أن تحققها عند انطلاقها.
تحديات أمام أي توافق
تواجه فكرة الحوار جملة من التحديات المرتبطة بطبيعة المشهد الجنوبي نفسه، والذي بات أكثر تعقيداً وتشابكاً خلال السنوات الأخيرة. فإلى جانب الخلافات السياسية التقليدية، برزت ملفات جديدة تتعلق بإدارة الموارد، وتمثيل المحافظات، وتوزيع النفوذ، وشكل العلاقة بين القوى الجنوبية المختلفة، فضلاً عن الرؤى المتباينة تجاه مستقبل القضية الجنوبية.
ويرى متابعون أن نجاح أي حوار مرهون بقدرته على معالجة هذه الملفات بصورة واقعية، وتوفير مساحة متكافئة لمختلف الأطراف للتعبير عن مواقفها، بما يضمن إنتاج تفاهمات قابلة للحياة وليست مجرد تفاهمات مؤقتة مرتبطة بظروف المرحلة.
كما أن بناء الثقة بين المكونات السياسية المختلفة يظل عاملاً حاسماً في نجاح أي مسار تفاوضي، خصوصاً في ظل تراكم الخلافات والتجارب السابقة التي لم تحقق اختراقات جوهرية في عدد من الملفات السياسية العالقة.
الرياض ودور الوسيط
تمتلك المملكة العربية السعودية حضوراً سياسياً وإقليمياً يجعلها طرفاً قادراً على رعاية مبادرات من هذا النوع، مستفيدة من علاقاتها مع مختلف القوى الفاعلة في الملف اليمني عموماً والجنوبي على وجه الخصوص.
غير أن نجاح أي رعاية سياسية لا يرتبط فقط بقدرة الوسيط على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، بل بقدرته أيضاً على توفير بيئة مناسبة للحوار، وضمان استمراريته، وتشجيع الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة تفتح الطريق أمام حلول عملية ومستدامة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في عقد الحوار بحد ذاته، وإنما في تحويله إلى منصة سياسية قادرة على معالجة جذور الخلافات وإنتاج رؤية مشتركة تسهم في تعزيز الاستقرار السياسي وتخفيف حالة الاستقطاب القائمة.
مبادرة مؤجلة أم مشروع متعثر؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية تسمح بالقول إن الحوار قد فشل أو أُلغي بصورة نهائية، كما لا تتوافر معطيات تؤكد اقتراب انعقاده خلال فترة زمنية محددة.
لذلك، يبدو توصيفه كمسار مؤجل أو قيد الإعداد أكثر انسجاماً مع المعطيات المتاحة حالياً من اعتباره مشروعاً متعثراً بشكل كامل. غير أن استمرار الغموض لفترة أطول دون خطوات واضحة قد يزيد من حجم الشكوك ويضعف الثقة بإمكانية انتقال المبادرة إلى مرحلة التنفيذ.
مستقبل المسار
يبقى الحوار الجنوبي - الجنوبي أحد الملفات السياسية التي تحظى بمتابعة واسعة داخل الأوساط الجنوبية، نظراً لارتباطه المباشر بمستقبل التوافقات الداخلية وإدارة الخلافات بين القوى الفاعلة.
وبين من يراه فرصة لإعادة ترتيب البيت الجنوبي وصياغة مقاربة سياسية أكثر تماسكاً، ومن يعتبره مبادرة لم تتجاوز حتى الآن حدود الإعلان السياسي، يظل مستقبل هذا المسار مرهوناً بمدى قدرة الأطراف المعنية والجهات الراعية على تحويله من فكرة مطروحة إلى عملية سياسية فاعلة ذات أهداف واضحة ومخرجات قابلة للتنفيذ.
وعلى ضوء ذلك، ستظل الأسئلة المتعلقة بالحوار قائمة إلى أن تتضح ملامحه بصورة عملية، ويُحسم ما إذا كان يمثل بداية لمسار استراتيجي طويل الأمد، أم مجرد محطة سياسية ارتبطت بظروف استثنائية فرضتها أحداث المرحلة.
>
