ضغوط أوروبية على سلطة مأرب لفرض الإصلاحات واستعادة الإيرادات

السياسية - منذ 10 ساعات و 33 دقيقة
مأرب، نيوزيمن، خاص:

أعادت التحركات الحكومية الأخيرة لاستكمال ربط فرع البنك المركزي اليمني في محافظة مأرب بالمركز الرئيسي في العاصمة عدن فتح أحد أكثر الملفات المالية إثارة للجدل خلال سنوات الحرب، والمتمثل باستمرار إدارة الإيرادات النفطية والغازية والعامة خارج المنظومة المالية الموحدة، رغم صدور توجيهات رئاسية وحكومية متكررة بإيداعها في الحسابات الرسمية للبنك المركزي.

وجاء ذلك بالتزامن مع لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب سلطان العرادة بسفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه وسفيرة هولندا جانيت سيبن، حيث ناقش الجانبان الأوضاع السياسية والاقتصادية والإنسانية، وسبل دعم الحكومة اليمنية وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة، في وقت يرى فيه مراقبون أن الإصلاحات المالية أصبحت تمثل أولوية لدى الشركاء الدوليين الداعمين للحكومة، باعتبارها شرطاً أساسياً لتعزيز الحوكمة والشفافية وإدارة الموارد العامة.

بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب سلطان العرادة، الخميس، مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه وسفيرة هولندا جانيت سيبن، تطورات الأوضاع السياسية والاقتصادية والإنسانية في اليمن، وسبل تعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين لدعم جهود الحكومة في مواجهة التحديات القائمة.

وخلال اللقاء الذي عُقد في مدينة مأرب، جرى التركيز الضغوط الاقتصادية والاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات الأساسية. إلى جانب مناقشة استعادة الاستقرار الاقتصادي ودفع عملية التعافي الاقتصادي بما يسهم في تحسين الظروف المعيشية ودفع جهود التنمية على المدى الطويل.

وعلى مدى سنوات، ظلت محافظة مأرب تمثل استثناءً في ملف إدارة الإيرادات الحكومية، إذ استمرت السلطات المحلية في إدارة عائدات النفط والغاز والموارد المحلية عبر حسابات داخل المحافظة، بعيداً عن الحسابات المركزية للبنك المركزي في عدن، رغم توجيهات رئاسية وقرارات حكومية متكررة هدفت إلى توحيد الدورة المالية للدولة وتعزيز الرقابة على المال العام.

ويرى اقتصاديون أن استمرار هذا الوضع أسهم في إضعاف قدرة الحكومة على إدارة السياسة المالية والنقدية بصورة موحدة، كما حدّ من قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، وفي مقدمتها صرف المرتبات وتمويل الخدمات العامة، في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية في تاريخها.

وفي خطوة تعكس بدء تنفيذ مسار الإصلاحات المالية، أعلنت وزارة المالية تدشين الربط الشبكي لفرع البنك المركزي في مأرب مع المركز الرئيسي في عدن، تنفيذاً لقرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لسنة 2025 الخاص بالإصلاحات الاقتصادية والمالية، وهو القرار الذي يستهدف إنهاء تعدد مراكز إدارة الإيرادات وإخضاعها لمنظومة رقابية موحدة.

وباشرت لجنة حكومية مشتركة من وزارة المالية والبنك المركزي مراجعة الحسابات الحكومية في مأرب، والعمل على إغلاق الحسابات العامة التي كانت تُدار خارج المنظومة المركزية، إلى جانب استكمال المتطلبات الفنية والإدارية للربط الشبكي، بما يتيح تتبع الإيرادات وإخضاعها لرقابة البنك المركزي ووزارة المالية.

وتعد هذه الإجراءات أول تحرك عملي لإنهاء حالة الانقسام المالي التي استمرت لسنوات داخل المناطق المحررة، والتي يرى مراقبون أنها أوجدت واقعاً مالياً موازياً أضعف مؤسسات الدولة، وأتاح إدارة جزء كبير من الموارد العامة خارج منظومة الرقابة الحكومية.

وفي محاولة للرد على الانتقادات، نفى مدير فرع البنك المركزي في مأرب جمال الكامل أن يكون قد تم فتح حسابات حكومية بصورة عشوائية أو خارج الأطر القانونية، مؤكداً أن فرع البنك كان مرتبطاً بالمركز الرئيسي في عدن منذ وقت سابق، وأن ما تبقى لا يتجاوز إجراءات فنية وتقنية لاستكمال الربط.

كما أوضح أن الحساب الحكومي المفتوح في مأرب جاء بناءً على توجيهات رئاسية، وأن البنك كان يعمل وفق اللوائح والأنظمة المعمول بها، مشيراً إلى أن الإيرادات كانت تُورد إلى الحسابات النظامية وفق الإجراءات الرسمية.

إلا أن هذه التوضيحات لم تبدد الجدل، خصوصاً مع إعلان اللجنة الحكومية البدء بإغلاق الحسابات الحكومية الخارجة عن المنظومة المركزية، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على وجود اختلالات استدعت تدخل الحكومة لإعادة تنظيم الدورة المالية وإخضاعها لرقابة البنك المركزي.

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الدعوات إلى إنهاء إدارة الموارد العامة عبر مراكز نفوذ محلية، في ظل حاجة الحكومة إلى تعظيم الإيرادات وتحسين كفاءة الإنفاق لمواجهة التحديات الاقتصادية، خاصة بعد تراجع الموارد العامة وارتفاع الالتزامات المالية.

ويرى خبراء اقتصاديون أن نجاح أي برنامج للإصلاح المالي لن يتحقق ما لم تخضع جميع المحافظات، دون استثناء، لمنظومة مالية موحدة، بما يضمن توريد الإيرادات إلى البنك المركزي وإخضاعها للرقابة والمساءلة، بعيداً عن أي ترتيبات استثنائية أو حسابات موازية.

كما يؤكدون أن استمرار إدارة عائدات النفط والغاز خارج الإطار المركزي خلال السنوات الماضية أضعف ثقة المانحين والشركاء الدوليين بالإصلاحات الحكومية، وأثار تساؤلات متكررة حول مصير الإيرادات العامة وآليات إنفاقها، في ظل غياب تقارير مالية معلنة توضح حجم الموارد وأوجه صرفها.

ويذهب مراقبون إلى أن استكمال الربط الشبكي وإغلاق الحسابات الموازية يمثلان اختباراً حقيقياً لمدى التزام السلطات المحلية بتنفيذ قرارات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، ويؤشران إلى مرحلة جديدة عنوانها إعادة بسط سلطة الدولة على مواردها المالية، وتعزيز الشفافية والرقابة على المال العام بعد سنوات من الانقسام المالي والإداري.