سياسات الحوثيين تطيح بسمعة جامعة صنعاء.. كليات شبه خالية والقبول يهبط

الحوثي تحت المجهر - منذ ساعة و 13 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

تشهد جامعة صنعاء، أكبر وأقدم الجامعات الحكومية في اليمن، تراجعًا غير مسبوق في الإقبال على الالتحاق بكلياتها، في تطور يعكس حجم الأزمة التي يعيشها قطاع التعليم العالي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، بعد سنوات من تحويل المؤسسات الأكاديمية إلى منصات للتعبئة الأيديولوجية والطائفية، وإفراغها تدريجيًا من رسالتها العلمية.

ويرى أكاديميون أن عزوف خريجي الثانوية العامة عن التسجيل في جامعة صنعاء لم يعد مرتبطًا فقط بالانهيار الاقتصادي وغياب فرص العمل، وإنما بات نتيجة مباشرة لسياسات المليشيا التي غيرت المناهج الدراسية، وفرضت برامج تعبوية ذات طابع طائفي، واستبدلت البيئة الجامعية بمنظومة من الرقابة الأمنية والإشراف العقائدي، إلى جانب التضييق المستمر على أعضاء هيئة التدريس والطلاب وعمليات التجنيد المستمرة في صفوف الطلاب صوب الجبهات.

وفي محاولة لمعالجة التراجع الحاد في أعداد المتقدمين، خفضت مليشيا الحوثي معدلات القبول في عدد من التخصصات الجامعية للعام الدراسي الجديد، في خطوة اعتبرها أكاديميون اعترافًا ضمنيًا بفشل سياساتها التعليمية، ومحاولة لملء المقاعد الشاغرة وجني مزيد من الإيرادات عبر برامج التعليم الموازي والنفقة الخاصة.

ووفق إعلان رسمي، حُدد الحد الأدنى للقبول في كليات طب الأسنان والصيدلة بنسبة 80% في النظام العام و75% في النظام الموازي، مع تطبيق تخفيضات مماثلة في عدد من الجامعات الأهلية، بالتزامن مع انخفاض لافت في أعداد المتقدمين للتسجيل.

وكشف مصدر أكاديمي في جامعة صنعاء عن تسجيل أدنى معدلات إقبال منذ تأسيس الجامعة، موضحًا أن عدد المسجلين في أقسام كلية الآداب والعلوم الإنسانية لم يصل إلى خمسين طالبًا، فيما انخفض عدد الملتحقين بالتخصصات الأدبية في كلية التربية إلى أقل من أربعين طالبًا، ولم يتجاوز عدد المسجلين في التخصصات العلمية بالكلية سبعين طالبًا، بينما استقبلت كلية الزراعة نحو خمسة وثلاثين طالبًا فقط.

وأكد المصدر أن هذه الأرقام تعكس انهيارًا غير مسبوق في ثقة الطلاب بالجامعة، في ظل فقدان البيئة الأكاديمية لمقوماتها العلمية وتحولها إلى فضاء تهيمن عليه الاعتبارات السياسية والطائفية على حساب الجودة التعليمية.

ويشير أكاديميون إلى أن السنوات الأخيرة شهدت فرض المليشيا مناهج معدلة تحمل مضامين أيديولوجية، وإجبار الطلاب على حضور فعاليات وندوات ومحاضرات ذات طابع تعبوي، إلى جانب فرض تدريس ما يعرف بـ"الملازم" في بعض الكليات، فضلًا عن تدخل المشرفين الحوثيين في الشؤون الأكاديمية والإدارية، وممارسة ضغوط متواصلة على أعضاء هيئة التدريس، الأمر الذي دفع العديد من الكفاءات إلى مغادرة الجامعة أو تقليص نشاطها الأكاديمي.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أسهمت في تشويه سمعة جامعة صنعاء التي كانت لعقود من أبرز المؤسسات التعليمية في اليمن، وأفقدتها مكانتها لدى كثير من الطلاب الذين باتوا يبحثون عن بدائل داخل البلاد أو خارجها، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.

وجاء هذا التراجع بالتزامن مع تعميم أصدرته وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي التابعة لسلطة الحوثيين يقضي بخفض معدلات القبول في الجامعات الحكومية والأهلية، وتمديد صلاحية شهادة الثانوية العامة، مبررة القرار بانخفاض مؤشرات التسجيل والقبول مقارنة بالعام الدراسي الماضي.

واعتبر أكاديميون أن اللجوء إلى تخفيض معايير القبول لا يمثل معالجة حقيقية للأزمة، بل يكشف عمق التدهور الذي أصاب مؤسسات التعليم العالي، محذرين من انعكاسات خطيرة على جودة التعليم، خصوصًا في التخصصات الطبية والهندسية التي تعتمد على معايير قبول مرتفعة لضمان كفاءة مخرجاتها.

وحذر التربوي محسن الدار من أن خفض معدلات القبول سيؤدي إلى تراجع مستوى الخريجين مستقبلاً، ويغرق سوق العمل بكفاءات ضعيفة غير قادرة على المنافسة محليًا وخارجيًا.

وأوضح أن معايير القبول الجامعي لا توضع لملء المقاعد الشاغرة، وإنما لضمان جودة التعليم وتحقيق مبدأ الجدارة وحماية المهن التخصصية، مشيرًا إلى أن التوسع في تخفيض تلك المعايير يخدم، في المقام الأول، زيادة الإقبال على برامج التعليم الموازي والنفقة الخاصة بما يوفر موارد مالية للجامعات في ظل استمرار أزمة تمويلها وعدم صرف مستحقات الأكاديميين.

ويؤكد مختصون أن أزمة جامعة صنعاء تجاوزت حدود انخفاض أعداد الملتحقين، لتصبح انعكاسًا لحالة التدهور التي أصابت قطاع التعليم في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تداخلت الأزمات الاقتصادية مع سياسات التطييف والتدخلات الأمنية، الأمر الذي أدى إلى تراجع الثقة بالمؤسسات الأكاديمية، وهدد مستقبل التعليم العالي ومخرجاته، في وقت يحتاج فيه اليمن إلى جامعات مستقلة قادرة على إعداد كوادر مؤهلة للمساهمة في إعادة بناء الدولة، بعيدًا عن التوظيف السياسي والأيديولوجي للمؤسسات التعليمية.