حان وقت المعركة الوطنية.. مطالبات الحسم العسكري تضع الشرعية أمام اختبار القرار

السياسية - منذ ساعتان و دقيقتان
عدن، نيوزيمن، خاص:

أعادت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي شنتها ميليشيا الحوثي على معسكرات قوات درع الوطن والطوارئ في محافظتي مأرب وحضرموت، ملف الحسم العسكري إلى واجهة المشهد اليمني، وسط موجة واسعة من الدعوات الشعبية والسياسية التي اعتبرت أن ما جرى يمثل تحولًا خطيرًا يستوجب الانتقال من مرحلة الدفاع وردود الفعل إلى إطلاق معركة وطنية شاملة لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.

وأسفرت الهجمات، التي وصفتها وزارة الدفاع اليمنية بالغادرة، عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من منتسبي القوات المسلحة، في واحدة من أعنف الضربات التي تستهدف القوات الحكومية منذ سنوات الهدنة الهشة، الأمر الذي دفع مراقبين وناشطين إلى اعتبارها إعلانًا عمليًا بانتهاء مرحلة التهدئة وعودة الحرب إلى مربعها الأكثر سخونة.

ولم يقتصر الجدل على طبيعة الهجوم وخطورته، بل امتد إلى ما كشفته مصادر خاصة عن وجود تساؤلات داخل المؤسسة العسكرية بشأن الكيفية التي وصلت بها إحداثيات مواقع القوات إلى الحوثيين، وسط حديث عن خلافات داخلية مرتبطة بآلية صرف مرتبات الجنود مباشرة عبر البنوك، تنفيذًا لتوجيهات وزير الدفاع، وما رافق ذلك –بحسب المصدر– من اعتراضات وتهديدات صدرت عن بعض القيادات العسكرية بتسليم الجبهات إذا لم يتم التراجع عن القرار.

وتفتح هذه المعلومات بابًا واسعًا أمام تساؤلات تتعلق بوجود تقصير أمني أو اختراق استخباراتي أو صراع مصالح داخل المؤسسة العسكرية، وهي قضايا يرى مراقبون أنها تتطلب تحقيقًا شفافًا يحدد المسؤوليات ويمنع تكرار مثل هذه الهجمات التي يدفع ثمنها الجنود في خطوط المواجهة.

الدفاع تتوعد بالرد 

وفي أول موقف رسمي، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية أن ميليشيا الحوثي نفذت هجومًا بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدف عددًا من معسكرات ووحدات القوات المسلحة في مأرب وحضرموت، أثناء قيامها بمهام تأمين المناطق المحررة والطرق الدولية والتصدي لشبكات التهريب التابعة للمليشيا.

وأكدت الوزارة أن الهجوم أدى إلى استشهاد وإصابة عدد من العسكريين، مشيرة إلى أن جميع الضحايا من أبناء الشعب اليمني ومن مختلف المحافظات، معتبرة أن الجريمة تؤكد استمرار المليشيا في استباحة الدم اليمني.

وشددت الوزارة على أن القوات المسلحة سترد على هذا العدوان في الزمان والمكان المناسبين، مؤكدة أن الهجوم لن يضعف من عزيمة الجيش، بل سيزيده إصرارًا على استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، كما تعهدت بأن دماء الشهداء لن تذهب هدرًا.

مطالبات بإطلاق معركة التحرير

وأثارت الهجمات موجة واسعة من ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث طالب كتاب وناشطون القيادة السياسية والعسكرية باغتنام ما وصفوه بـ"اللحظة المفصلية" لإعلان معركة تحرير شاملة، مؤكدين أن استمرار الاكتفاء بالبيانات السياسية يمنح الحوثيين مزيدًا من الوقت لتعزيز قدراتهم العسكرية.

ورأى هؤلاء أن سنوات الهدنة لم تُفضِ إلى سلام دائم، بل منحت المليشيا فرصة لإعادة ترتيب صفوفها وتطوير ترسانتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، في وقت بقيت فيه الجبهات شبه مجمدة، الأمر الذي جعل القوات الحكومية عرضة لهجمات بعيدة المدى داخل معسكراتها.

واعتبر الناشط محمد بن ناصر أن الهجوم الصاروخي الأخير يجب أن يكون نقطة تحول في طريقة تعاطي الشرعية مع الحرب، مؤكدًا أن استمرار تمركز القوات في معسكرات مكشوفة تحت تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة دون الانتقال إلى الهجوم يجعلها في موقف دفاعي دائم.

وقال إن لم تكن هذه الضربة سببًا لإطلاق معركة تحرير صنعاء، فإن بقاء الجيش في مواقعه الحالية يفقد وجوده العسكري جدواه، داعيًا إلى اتخاذ قرار واضح بالحسم العسكري، ومؤكدًا أن أي معركة وطنية شاملة ستلقى، بحسب تعبيره، تأييدًا شعبيًا واسعًا ولن تقتصر على القوات المسلحة وحدها.

التصريحات لم تعد كافية

من جانبه، رأى الناشط ياسر محيا أن الأداء الرسمي خلال الأسابيع الماضية أوحى بقرب تحرك عسكري واسع، إلا أن الهجوم الحوثي الأخير –بحسب رأيه– كشف غياب رد عملي يوازي حجم التصعيد.

وانتقد الاكتفاء بالتصريحات السياسية، معتبرًا أن استمرار الخلافات والمحاصصة داخل مؤسسات الشرعية يضعف قدرتها على إدارة معركة استعادة الدولة، داعيًا إلى الانتقال من الخطاب السياسي إلى قرارات ميدانية تعكس جدية الدولة في مواجهة الحوثيين.

بدوره، وصف الكاتب محمد بن نعمان الهجوم بأنه فرصة لاختبار جدية القيادة الشرعية في تنفيذ مشروع استعادة الدولة، معتبرًا أن مرور الحادثة دون تغيير في مسار العمليات العسكرية سيعزز الانطباع بأن الحديث عن تحرير صنعاء لا يتجاوز حدود الخطاب الإعلامي.

وأشار إلى أن الحوثيين يواصلون عمليات الحشد والهجوم، بينما ينتظر اليمنيون خطوات عملية تتجاوز البيانات الرسمية، داعيًا القيادة إلى امتلاك قرار واضح للحسم أو إفساح المجال أمام من يستطيع تحمل هذه المسؤولية التاريخية.

وقال المحلل السياسي ياسين التميمي إن الهجمات الأخيرة تحمل طابعًا ثأريًا واستباقيًا ومنسقًا، مؤكدًا أنها تعكس استمرار الحوثيين في خوض حرب شاملة داخل اليمن وخارجه باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية.

وأوضح أن هذه الهجمات تكشف، في المقابل، غياب مستوى مماثل من الجاهزية السياسية والعسكرية لدى الحكومة وحلفائها، معتبرًا أن القرار العسكري لا يزال مرتبطًا بحسابات إقليمية.

وأكد التميمي أن القوات الحكومية تمتلك استعدادًا قتاليًا مرتفعًا وروحًا وطنية عالية، لكنه شدد على ضرورة الاستفادة من دروس الهجوم، وفي مقدمتها إعادة انتشار القوات، وتجنب تكدسها داخل المعسكرات، وإعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية، وإنهاء السياسات التي قال إنها وجهت جانبًا كبيرًا من الجهد العسكري نحو صراعات داخل معسكر الشرعية بدلًا من تركيزه على مواجهة الحوثيين.

المرحلة تتطلب موقفًا أكثر حزمًا

من جهته، دعا المحلل السياسي والإعلامي وليد الشفق الحكومة اليمنية، بدعم من التحالف العربي، إلى التعامل بحزم مع تصعيد الحوثيين، معتبرًا أن الجماعة أثبتت خلال سنوات الحرب أنها لا تتعامل بجدية مع فرص السلام ولا تستجيب للمبادرات السياسية.

وقال إن استمرار التهاون في مواجهة الحوثيين لم يؤدِّ إلا إلى زيادة تعنتهم، مؤكدًا أن اليمنيين يتطلعون إلى استعادة دولتهم ومؤسساتهم، وهو ما يتطلب توحيد الصف الوطني وتغليب المصلحة الوطنية والعمل على إنهاء الحرب بصورة تعيد الأمن والاستقرار إلى البلاد.

ورأى الصحفي عمار علي أحمد أن الدعوات المطالبة بإطلاق معركة شاملة لتحرير صنعاء تصطدم، من وجهة نظره، بواقع سياسي وعسكري معقد، يتمثل في ارتباط قرار الحرب والسلم بالحسابات الإقليمية، وليس بالقرار اليمني وحده.

وقال إن السلطة الشرعية، بعد المتغيرات التي شهدتها السنوات الماضية، أصبحت –بحسب تقديره– تتحرك ضمن سقف التفاهمات التي تقودها المملكة العربية السعودية، معتبرًا أن أي قرار يتعلق بفتح جبهات واسعة أو الانتقال إلى معركة شاملة يخضع لاعتبارات إقليمية تتجاوز الإرادة المحلية.

وأضاف عمار علي أحمد أن الأصوات التي تطالب اليوم مجلس القيادة الرئاسي بإصدار قرار منفرد بإطلاق معركة تحرير صنعاء، تتجاهل –وفق رأيه– طبيعة المشهد السياسي والعسكري القائم، مشيرًا إلى أن إدارة الصراع لم تعد ترتبط بقرار داخلي خالص، بل تتأثر بشكل مباشر بمواقف الدول الداعمة ومسار التفاهمات الإقليمية.

واعتبر أن المطالبة الفورية بالحسم العسكري، دون الأخذ في الاعتبار هذه المعطيات، تطرح تساؤلات حول مدى قدرة القيادة الشرعية على اتخاذ قرارات استراتيجية بمعزل عن شركائها الإقليميين، في ظل استمرار تعقيدات الملف اليمني وتشابك أبعاده السياسية والعسكرية.

استقلالية القرار العسكري

ويرى مراقبون أن الهجوم الأخير لا يضع القيادة اليمنية أمام تحدي الرد العسكري فقط، بل يفرض أيضًا مراجعة شاملة للمنظومة العسكرية والأمنية، والتحقيق في أي اختراقات محتملة، ومعالجة الخلافات الداخلية التي قد تؤثر في كفاءة القوات المسلحة.

كما يعتقد المتابعون أن أي مواجهة قادمة لن تحقق أهدافها دون بناء مؤسسة عسكرية موحدة، وتعزيز الانضباط، وإغلاق منافذ الفساد والاختراق، بما يضمن عدم تكرار الهجمات التي تستهدف القوات الحكومية في مواقعها.

وفي ظل تصاعد العمليات العسكرية الحوثية، تبدو القيادة اليمنية أمام لحظة فارقة؛ فإما أن تتحول الهجمات الأخيرة إلى نقطة انطلاق لاستراتيجية جديدة تقوم على المبادرة واستعادة زمام المعركة، أو تستمر حالة الجمود العسكري التي يرى كثيرون أنها منحت الحوثيين فرصة لتعزيز قدراتهم وتوسيع دائرة تهديداتهم، وهو ما يجعل مستقبل الصراع مرهونًا بالقرارات التي ستُتخذ خلال المرحلة المقبلة.

كما عكست الآراء جانبًا من الجدل الدائر في الأوساط السياسية والإعلامية بشأن استقلالية القرار العسكري اليمني، إذ يرى فريق أن الهجمات الحوثية الأخيرة تستوجب اتخاذ قرار وطني سريع بالرد وفتح مختلف الجبهات، بينما يعتقد آخرون أن أي تصعيد واسع لا يمكن فصله عن التوازنات الإقليمية والدولية التي تحكم مسار الحرب منذ سنوات، وهو ما يجعل الدعوات للحسم العسكري مرتبطة، في نهاية المطاف، بحسابات تتجاوز حدود الميدان اليمني.