بسام الإرياني

بسام الإرياني

تابعنى على

كيف يخسر اليمن جيلاً كاملًا في فصول الحوثي؟

منذ ساعة و 47 دقيقة

في زوايا الظلام التي تغطي سماء صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الميليشيات الحوثية، لا تُسمع أصوات الأطفال الضاحكة كما كان الحال في الماضي، بل تتداخل صرخاتهم الصامتة مع دوي القذائف ورنين الجوع؛ لتشكل سيمفونية مأساوية تعكس واقعاً مريراً يتجاوز حدود الحرب التقليدية إلى حرب وجودية تستهدف جوهر المستقبل ذاته.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد نزاع مسلح أو أزمة سياسية عابرة، بل هو عملية هندسة اجتماعية دقيقة وممنهجة تهدف إلى محو الهوية الوطنية وزرع بذور الكراهية والطائفية في نفوس البراعم الصغيرة التي لم تكتمل بعد، مما يعني أن اليمن لا يخسر معركة أرضية فحسب، بل يخسر روحه وجسده المستقبلي عبر جيل كامل يتم تجنيده قسراً وتشكيل وعيه وفقاً لأجندة أيديولوجية ضيقة تستبيح الدم وتقدس الموت.

ولطالما كانت المدرسة ملاذاً آمناً للعلم والتنوير، لكن تحت وطأة السيطرة الحوثية تحولت هذه المؤسسات التعليمية إلى ثكنات عسكرية مصغرة، حيث يتم استبدال المناهج الدراسية التي تنمي العقل الناقد والروح الإنسانية بمواد تحريضية تدعو إلى العنف وتمجد القتل باسم الدين، وهو تشويه خطير للمقدسات يُستخدم كغطاء شرعي لتبرير جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

الأطفال الذين كانوا بالأمس يحملون الكتب والأقلام أصبحوا اليوم يحملون البنادق الثقيلة التي تفوق أحجامهم وأعمارهم، مُجبرين على خوض معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بينما تتحول طفولتهم إلى وقود يُحرق في أتون صراعات المليشيات الطامحة للسلطة.

هذا التجنيد الإجباري لا يقتصر على الذكور فقط، بل يمتد ليشمل الفتيات أيضاً من خلال برامج التلقين المبكر التي تفرض عليهن قيوداً اجتماعية وفكرية خانقة، مما يساهم في إنتاج مجتمع مشلول الفكر ومقيد الحركة، عاجز عن البناء أو الإبداع أو حتى الحلم بحياة أفضل.

إن الآثار النفسية لهذا الواقع المدمر لا تقل خطورة عن الآثار الجسدية، فالطفل الذي ينشأ في بيئة ترى فيه العدو في كل ظل، وتتحدث له عن الثأر بدلاً من التسامح، سيكون حتماً أسيراً لعقد نفسية عميقة تمنعه من رؤية العالم بمنظور إنساني واسع، وتجعله أداة مطيعة في يد من يسيطر على عقله قبل جسده.

لقد فقد هؤلاء الصغار حقهم الطبيعي في اللعب والاكتشاف واللعب البريء، واستبدلوه بمشاهد الدمار والموت اليومي، مما خلق جيلاً يعاني من اضطرابات ما بعد الصدمة بشكل جماعي، وهو أمر سيترك بصماته السلبية على النسيج الاجتماعي اليمني لعقود قادمة، حتى بعد انتهاء القتال المباشر.

لأن التعليم، الذي يجب أن يكون جسر العبور نحو النهضة والتطور، تحول إلى حاجز يعزل الجيل الجديد عن العالم الخارجي وعن قيم الحضارة الإنسانية، ليحبسه داخل قوقعة من الجهل المتعمد والكراهية المبرمجة والأيديولوجية الخبيثة.

ناهيك عن أن تلك الانتهاكات بحق الطفولة في اليمن تُرتكب أمام مرأى ومسمع المنظمات الدولية والإنسانية، التي تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الجرائم البشعة بحق الطفولة، متذرعة بالحياد السياسي أو التعقيدات اللوجستية، بينما تستمر عصابة الحوثي في استخدام الأطفال كدروع بشرية وكجنود في الخطوط الأمامية، مستغلة الفراغ القانوني وضعف المحاسبة الدولية.

هذا الصمت الدولي يعد شريكاً غير مباشر في الجريمة؛ لأنه يمنح الجناة شعوراً بالإفلات من العقاب، ويمنحهم الوقت الكافي لترسيخ منظومتهم الفكرية في أذهان النشء.

إن كل يوم يمر دون تدخل حقيقي وجاد لإنقاذ هؤلاء الأطفال هو يوم نضيف فيه لبنة جديدة في بناء جدار من العزلة والظلام يفصل اليمن عن ركب الحضارة الإنسانية، ويجعل مهمة إعادة الإعمار النفسي والاجتماعي شبه مستحيلة في المستقبل المنظور.

يؤسفني أن أقول إن الخسارة الحقيقية لليمن ليست في تدمير البنى التحتية أو انهيار الاقتصاد، بل في تدمير العقل البشري الذي يعتبر المورد الأهم لأي نهضة حقيقية.

عندما ننظر إلى عيون طفل يمني يحمل سلاحاً أكبر منه، فإننا لا نرى مجرد ضحية حرب، بل نرى نهاية حلم وطن بأكمله ونهاية أمل في غد مشرق يسوده السلام والاستقرار.

هذا الجيل المسلوب الإرادة والمخدر فكرياً سيكون عبئاً ثقيلاً على الدولة المستقبلية، التي ستحتاج إلى جهود جبارة، ليس فقط لإعادة بناء المنازل والشوارع، بل لإعادة بناء النفوس والعقول التي تم تشويهها عمداً وبشكل منهجي.

ومن على هذا المنبر الصحفي والإعلامي الحر، أحذر اليمنيين والمجتمع الإقليمي والدولي من أن الخطر المحدق بأطفال اليمن في فصول الحوثي ليس خطراً مؤقتاً أو عابراً، بل هو كارثة وجودية تهدد بقاء الهوية اليمنية المعتدلة والمتسامحة التي عرفها التاريخ.

إذا لم تتحرك الضمائر الحرة والمؤسسات الدولية الفاعلة الآن لكبح جماح هذه المليشيات اللعينة والوحشية، فإننا سنشهد ولادة جيل جديد من المتطرفين والمحاربين الذين لن يعرفوا لغة إلا لغة السلاح، ولن يفهموا معنى الحياة إلا من خلال الموت.

إن إنقاذ أطفال اليمن اليوم هو إنقاذ لليمن نفسه غداً، وأي تأخير في هذا الإنقاذ هو حكم بالإعدام البطيء على مستقبل دولة وشعب لطالما حلما بالحرية والكرامة، لكنهما وجدا نفسيهما رهينين في سجن أيديولوجي لا يرحم، حيث الطفولة هي الضحية الأولى والأخيرة في لعبة السلطة الدموية.