د. السيد ولد أباه

د. السيد ولد أباه

تابعنى على

الإمارات.. حرب الفكرة والنموذج

منذ ساعتان و 50 دقيقة

في مقابلة منشورة مع صحيفة «لموند» الفرنسية، ذهب كرستيان جامبيه، وهو أحد أهم المتخصصين في الفلسفة الإيرانية الوسيطة، إلى القول بأن أخطر ما قام به النظام الإيراني هو إلغاء التقليد الثقافي العرفاني المحلي واستبداله بنظرية استبدادية تسلطية فاقدة لكل رمزية روحانية، وما يحدث اليوم هو تحول النظام إلى شكل من الحكم العسكري القهري القمعي.

 وفي الصراع المحتدم راهناً، كثير من الناس لا يقف عند هذه الجوانب الفكرية، بينما لا يمكن تفسير وقوف العديد من الأصوات مع العدوان الإيراني السافر على الدول الخليجية والعربية إلا من منظور هذه المرجعية الدينية المتوهمة.

ليس من همنا هنا الوقوف عند الجوانب الطائفية التي لا مكان لها في الحرب الراهنة، فغني عن البيان أن شكل النظام السياسي القائم في إيران منذ سنة 1979 لا يستند إلى الموروث الشيعي الأصلي، بل يقدم مقاربة أيديولوجية واهية لمسألة الشرعية الدينية في المذهب الجعفري، حاربها العلماء والمفكرون الإيرانيون والشيعة العرب، ومن أشهرهم حسين منتظري ومحمد شريعة مداري والشيخ محمد مهدي شمس الدين (من لبنان)، فضلا عن العديد من المفكرين النقديين البارزين مثل عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان ومجتهد سبشتري.. إلخ.

لقد كانت نظرية «ولاية الفقيه» الخمينية هي النسخة الشيعية من الحاكمية القطبية، ومن هنا ندرك الالتفاف الواسع للتيار الإخواني العربي حول إيران حالياً، رغم الفظائع التي ارتكبتها في سوريا والعراق ولبنان واليمن.

لم يكن سبب الاستهداف الآثم للإمارات هو فقط مشروعها التنموي والتحديثي الناجح وسمعتها الدولية الناصعة والثقة العالمية في تجربتها التي استقطبت نخبَ المعمورة، وإنما أيضاً النموذج الثقافي والفكري الذي رعته وحافظت عليه. منذ عهد مؤسس الدولة وباني نهضتها الحديثة، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان السعي صريحاً لتثبيت تقاليد دينية متصالحة مع الموروث وقادرة على مخاطبة العالم، دون تعصب أو غلو. وفي سياق، شهد تنامي النزعات المتشددة في إطار حرب الأفكار خلال فترة الحرب الباردة كانت الإمارات متميزة بصوت الإسلام المسالم المنفتح، كما أنها رفضت محاولات أدلجة الدين وتحويله إلى سلاح بيد المليشيات المناوئة للدولة الوطنية.

وفي السنوات الأخيرة، احتضنت الإماراتُ مبادراتٍ رائدةً لمواجهة التطرف والغلو وللتبشير بقيم السلام والتسامح، من بينها منتدى أبوظبي للسلم ومجلس الحكماء المسلمين والمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، وكان من أهم نتائج هذه المبادرات إعادة بلورة فكرة المواطنة من منظور إسلامي: إعلان مراكش، وإحياء حلف الفضول للتقريب بين الثقافات والمنظومات القيمية، ووثيقة الأخوّة الإنسانية كمرجعية جديدة للرابطة الكونية البشرية.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الصراع الدائر حالياً في الخليج هو في جانب أساسي منه صراع حول المرجعية الفكرية، بين قطب اختار التشدد والعنف مسلكاً في إدارة التنوع الداخلي والعلاقة بالمحيط الإقليمي، وبين قطب مغاير راهن على قيم التسامح والسلم والتضامن وحوّلها إلى مرتكزات للسياسة الداخلية والتوجهات الخارجية.

في هذا الصراع، تمثل الإماراتُ اليوم صوتَ التعقل والعقلانية والمسؤولية الأخلاقية والقانونية، في حين تشكل السياسات الإيرانية الخرقاء أخطرَ أنواع تشويه الإسلام ديناً وثقافةً وتوجهاً خارجياً.

لا خوف على الإمارات، فقد أثبتت الأحداثُ أنها صامدة، صلبة، وقادرة على الدفاع الناجع عن نموذجها التنموي والحضاري المشرق، ولكنها تدفع اليوم ثمن دفاعها عن الإسلام الصحيح والعروبة الصادقة غير المتحيزة أيديولوجياً، ولن يضرها تلكؤ المتلكئين وتآمر المتآمرين.

سألني خبير أوروبي متخصص في شؤون الخليج العربي: هل يمكن أن نستنتج من الأحداث الأخيرة أن الإمارات أثبتت بالفعل جاهزيتَها الدفاعية ونجاعةَ مجهودها العسكري الاستثنائي، فأجبتُه بأنه من الصحيح القول إنها جمعت بين قوة سبرطة الخشنة وقوة أثينا الناعمة، وهو ما لم يتحقق لغيرها في العالم الحاضر.

 ولعل ذلك ما عناه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بقوله «إن الإمارات جميلة وقدوة ولكن جلدها غليظ ولحمها مر»، وهو بهذا القول يجمل السمة المزدوجة للنموذج الإماراتي في بريقه وصلابته.

وحاصل الأمر، أن الإمارات لا تدافع فقط عن أمنها ومصالحها، ولكنها في الآن نفسه تدافع عن قيم السلم والتسامح والتضامن في مواجهة قوى الغدر والعدوان. ومن هنا واجب الوقوف الصريح معها؛ فالحياد في المعارك المصيرية خطيئة أخلاقية، لا تسامح فيه ولا قبول له.

نقلا عن صحيفة الاتحاد