خيرالله خيرالله

خيرالله خيرالله

تابعنى على

لماذا إيران دولة مارقة؟

منذ ساعة و 12 دقيقة

ليس تسلل ضباط من “الحرس الثوري” إلى جزيرة بوبيان الكويتية، حيث اعتقلهم رجال الأمن الكويتيون، أمرا جديدا. يندرج ذلك في سياق بدأ مع قيام “الثورة الإسلامية” سنة 1979. منذ نجاح “الثورة الإسلاميّة”،  لم تتعامل إيران مع محيطها العربي باعتباره فضاءً للتعاون والتكامل، بل باعتباره ساحة نفوذ وصراع مفتوح. فالعقيدة التي صاغها روح الله الخميني لم تقف عند حدود بناء دولة وطنية داخل حدودها الجغرافية، وإنما تحولت إلى مشروع عابر للحدود يقوم على “تصدير الثورة” وتشكيل شبكات ولاء مذهبية وعسكرية تمتد من لبنان إلى العراق واليمن وصولاً إلى محاولات الاختراق داخل دول الخليج العربي. ولهذا لم يعد الحديث عن إيران كدولة تقليدية ممكناً في نظر كثير من المراقبين، بل عن نظام يرى في الفوضى وسيلة للهيمنة وفي الميليشيات أداة لفرض النفوذ.

إن جوهر الأزمة مع إيران لا يتعلق فقط بخلافات سياسية عابرة، بل بطريقة تفكير استراتيجية تعتبر أن استقرار الدول العربية الخليجية يمثل عائقاً أمام مشروعها الإقليمي. فمنذ عقود، اعتمد “الحرس الثوري” الإيراني سياسة إنشاء جماعات موالية له خارج الحدود وتدريبها وتسليحها، وهو ما جعل المنطقة تعيش على وقع أزمات أمنية متلاحقة.

في لبنان نشأ “حزب الله” كدولة داخل الدولة، يمتلك ترسانة عسكرية تفوق أحياناً قدرات الجيش اللبناني نفسه، ويحتكر قرار الحرب والسلم بما يخدم المصالح الإيرانية أكثر مما يخدم الشعب اللبناني. أما في العراق، فقد تحولت فصائل مسلحة مرتبطة بطهران إلى قوة موازية للدولة، تتحكم في بالقرار السياسي والأمني، مما جعل العراق ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية.

في اليمن، دعمت إيران الحوثيين بالسلاح والتدريب والخبرات العسكرية، فاندلعت حرب مدمرة دفعت ملايين اليمنيين نحو الفقر والمجاعة والانهيار الإنساني. ولم يكن الهدف مجرد دعم جماعة محلية، بل إقامة ذراع عسكرية على حدود الخليج العربي تتيح لطهران الضغط على خصومها وابتزاز المجتمع الدولي عبر تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

أما دول الخليج، فقد ظلت لسنوات تتهم إيران بمحاولات زرع خلايا مرتبطة بها أو دعم جماعات سرية تستهدف الأمن الداخلي. وفي كل مرة كانت السلطات الأمنية في البحرين أو الكويت أو دولة الإمارات العربية المتحدة تعلن تفكيك شبكات مرتبطة بالحرس الثوري أو جهات موالية لطهران، كانت إيران تنفي علاقتها المباشرة، رغم تراكم المؤشرات التي تؤكد وجود استراتيجية قائمة على الاختراق الأمني واستخدام الوكلاء المحليين. هذه السياسة جعلت الثقة بين إيران وجيرانها شبه منعدمة، لأن الدول لا يمكنها التعايش بشكل طبيعي مع طرف تعتبره مصدراً دائماً لعدم الاستقرار.

الأخطر من ذلك كلّه أن إيران لم تعد تكتفي بالحروب غير المباشرة، بل انتقلت في مراحل مختلفة إلى سياسة حافة الهاوية عبر تهديد الملاحة الدولية وإغلاق أو التهديد بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم. فهذا المضيق لا يمثل فقط ممراً حيوياً لنفط الخليج، بل عصباً رئيسياً للاقتصاد العالمي بأسره. وعندما تهدد إيران بإغلاقه أو تستخدم القوة العسكرية في محيطه، فإنها لا تضغط على خصومها الإقليميين فحسب، بل تضع العالم كله أمام خطر اقتصادي وأمني كبير أيضا. ولهذا ينظر كثير من المحللين إلى هذه التصرفات باعتبارها أقرب إلى سلوك “الدولة المارقة” التي تستخدم الجغرافيا والطاقة والميليشيات كورقة ابتزاز سياسي.

إن المشكلة الأساسية مع النظام الإيراني تكمن في ازدواجية خطابه. فهو يتحدث عن السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، لكنه يمارس العكس تماماً عبر دعم جماعات مسلحة خارج إطار الدول الوطنية، بل يتحدث عن مقاومة الهيمنة الأجنبية، بينما يسعى هو نفسه إلى فرض نفوذ مباشر على عواصم عربية عديدة. ذهب بعض قادة الحرس الثوري إلى التفاخر في مناسبات مختلفة وفي مرحلة معيّنة، قبل سقوط نظام آل الأسد في سوريا، بأن طهران أصبحت تسيطر على أربع عواصم عربية، هي بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء. وهو تصريح يكشف بوضوح طبيعة المشروع الإيراني القائم على التوسع لا على الشراكة.

لقد دفعت شعوب المنطقة ثمناً باهظاً لهذه السياسات. فلبنان يعيش انهياراً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق بسبب سطوة السلاح الخارج عن الدولة، والعراق لم يستعد استقراره الكامل منذ سنوات طويلة، واليمن تحول إلى ساحة حرب مفتوحة، بينما تنفق دول الخليج مليارات الدولارات على الأمن والدفاع لمواجهة التهديدات المستمرة. وهكذا أصبحت المنطقة بأسرها رهينة مشروع توسعي يعتمد على الفوضى المنظمة أكثر مما يعتمد على العلاقات الطبيعية بين الدول.

مع ذلك، فإن التعايش مع إيران يبقى ضرورة جغرافية وسياسية لا يمكن تجاهلها. فإيران دولة كبيرة ذات تاريخ وحضارة وشعب متنوع، والمشكلة ليست مع الشعب الإيراني بقدر ما هي مع العقيدة السياسية والعسكرية التي تحكم النظام الحالي. ولهذا فإن أي استقرار حقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا إذا قبلت طهران بمبدأ الدولة الوطنية واحترام سيادة الجيران والتخلي عن سياسة الميليشيات والتوسع العقائدي. أما استمرار النهج الحالي، فإنه سيبقي المنطقة في دوامة التوتر والحروب الباردة والصدامات غير المباشرة، وسيجعل من الشرق الأوسط واحداً من أكثر مناطق العالم هشاشة واضطراباً لعقود قادمة.

* صحيفة العرب اللندنية