هناك لحظات لا يمكن قراءتها بوصفها خبراً أمنياً ينتهي عند حدوده، بل بوصفها اختباراً أعمق لصلابة الوعي. ما أُعلن عن إحباط مخططات شبكة مرتبطة بمشروع ولاية الفقيه لا يقف عند حدود إنجاز مهني يُسجَّل، بل يكشف مرة أخرى أن التحدي الحقيقي لم يعد دائماً عند الحدود، بل داخل العقول حين تُستهدف بطريقة ناعمة ومتدرجة.
الإمارات لم تكن يوماً بيئة فراغ تُزرع فيها هذه المشاريع. هذا وطن بُني على الاستقرار المقصود، وعلى فتح الفرص لا احتكارها، وعلى تمكين الإنسان لا تهميشه. لذلك فإن محاولة تفسير الانحراف بوجود نقص أو غياب احتواء لا تصمد أمام الواقع. ما حدث يقول شيئاً مختلفاً: حين تفشل مشاريع الاختراق في كسر الدولة، تنتقل إلى محاولة إعادة تشكيل وعي بعض أبنائها. هنا تبدأ المعركة الحقيقية.
الأكثر إيلاماً أن من تورطوا لم يكونوا خارج الصورة. كانوا جزءاً من هذا المجتمع، استفادوا من فرصه، وعملوا داخل مؤسساته. هذه ليست قصة حرمان يقود إلى التطرف، بل قصة فكرة منحرفة نجحت في التسلل إلى وعي لم يحصّن نفسه بالقدر الكافي. الخطر هنا ليس في الفعل النهائي، بل في المسار الذي سبقه. المسار الذي يعيد تعريف المفاهيم حتى يصبح الخطأ مقبولاً، والارتهان موقفاً، والولاء لغير الوطن مبرراً بل مغلفاً بلغة دينية أو عاطفية.
هذه المشاريع لا تدخل بوجهها الحقيقي. لا تقول للشاب إنها تسلبه قراره أو تدفعه إلى موقع ضد وطنه. تبدأ بخطاب مألوف، بعبارات دينية تبدو صادقة، وبلغة عاطفية تُحسن استثارة الانتماء. ومع الوقت، يُعاد تشكيل المعنى نفسه. هنا تنحرف البوصلة. وهنا تحديداً تكمن خطورة استغلال الدين، لأنه يتحول من مصدر هداية إلى أداة توجيه خارج مساره الطبيعي.
يجب أن تُقال المسألة بوضوح: توظيف الدين لتبرير الإرهاب أو الارتهان ليس فقط اعتداءً على الدولة، بل تشويه للدين نفسه. الدين في جوهره يحفظ الحياة ويقيم العدل ويمنع الفتنة. أي مشروع يستخدمه لتبرير اختراق الأوطان أو تجنيد العقول هو مشروع عبث، مهما كانت الشعارات التي يرفعها. في الإمارات سيبقى الدين مساحة اعتدال وسكينة، لا منصة لتمرير أجندات، ولا غطاءً لإعادة تشكيل الولاءات.
الخسارة في مثل هذه القضايا لا تتوقف عند الفرد. من يسلك هذا الطريق يسيء إلى أسرته، ويضع طائفته في موضع لا يعبر عنها، ويحمّل مذهبه ما لا يحتمل، قبل أن يخسر نفسه. هذه سلسلة من الانكسارات تبدأ من قرار فردي لكنها تمتد إلى محيط أوسع. لهذا فإن التعامل معها لا يكون فقط أمنياً، بل فكرياً ومجتمعياً في آن واحد.
ورغم أن الحزم ضرورة لا نقاش فيها، فإن الدول الواثقة لا تفقد إنسانيتها وهي تحمي نفسها. كل فرد ينزلق في هذا الطريق هو خسارة ممكنة، كان يمكن أن يكون إضافة لا ثغرة. هذا الفهم لا يخفف الجريمة، لكنه يحدد طبيعة المعركة: حماية المجتمع مع الحفاظ على معناه الإنساني.
الرسالة الأهم هنا تتجه إلى الشباب. الطريق إلى مثل هذه النهايات لا يبدأ عادة بقرار حاد، بل بخطوات صغيرة: متابعة خطاب مؤثر، إعجاب غير محسوب، خلط بين الإيمان ومن يتاجرون به. لذلك يصبح الوعي مسؤولية شخصية قبل أن يكون مطلباً عاماً. ليس كل خطاب ديني صادقاً، وليس كل مظلومية حقيقية، وليس كل حماسة تقود إلى الحق. القدرة على التمييز هي خط الدفاع الأول.
ما أثبتته هذه العملية أن الإمارات لا تعتمد فقط على يقظة أجهزتها، بل على تماسك مجتمعها. أي مشروع اختراق يصطدم هنا بمنظومة متكاملة: قيادة حازمة، قانون واضح، ثقة متبادلة، ووعي جمعي يرفض الانزلاق. هذا ما يجعل هذه المحاولات محكومة بالفشل مهما تغيرت أدواتها.
في النهاية، القضية تتجاوز الحدث نفسه. هي تذكير بأن حماية الأوطان لم تعد مهمة أمنية فقط، بل مهمة وعي. حين يُحمى العقل من التزييف، تُغلق أخطر الثغرات. وحين يبقى الدين في موقعه الصحيح، يفقد من يحاول توظيفه قدرته على التأثير. بهذه المعادلة تستمر الدول القوية: قانون يحسم، ووعي يحصّن، ومجتمع متماسك .
من صفحة الكاتب على إكس
>
