عادل الهرش

عادل الهرش

تابعنى على

من البر إلى البحر: طارق صالح وبناء القوة البحرية اليمنية

منذ ساعة و 44 دقيقة

تدشيناً لفعاليات الذكرى السادسة والثلاثين لقيام الجمهورية اليمنية (22 مايو)، وفي مشهد عسكري لافت من مضيق باب المندب، أعلن الفريق أول ركن طارق محمد صالح، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي وقائد قوات المقاومة الوطنية، دخول زوارق بحرية حديثة إلى الخدمة ضمن عرض عسكري عكس تحولاً ملموساً في بنية القوة اليمنية. 

لم يكن الحدث مجرد استعراض رمزي، بل إعلاناً عملياً عن انتقال تدريجي في عقيدة الأمن الوطني والقومي، حيث لم يعد البحر هامشاً جغرافياً، بل جبهة سيادية متقدمة ترتبط مباشرة بحماية المصالح الاستراتيجية للدولة وتأمين أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

يأتي هذا التطور في لحظة شديدة الحساسية، إذ يُعد جنوب البحر الأحمر، ولا سيما مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في النظام الدولي، لارتباطه المباشر بحركة التجارة العالمية وتدفقات الطاقة وخطوط الملاحة بين آسيا وأوروبا. وفي هذا الموقع الاستراتيجي، لا تعود القوة البحرية مجرد أداة عسكرية تقليدية، بل تصبح ركيزة سيادية لحماية الدولة وضمان استقرار مصالحها الحيوية.

إلى جانب التهديدات الحوثية، تصاعدت في الآونة الأخيرة المخاطر البحرية غير التقليدية، من أعمال القرصنة والتهريب إلى نشاط الجماعات المسلحة في خليج عدن وبحر العرب، ما جعل تأمين الممرات البحرية قضية تتجاوز الإطار الوطني إلى الأمن الإقليمي والدولي. وتكشف حوادث الاستهداف والاختطاف للسفن، ومنها حادثة السفينة "يوريكا" التي اختطفها قراصنة صوماليون، حجم التهديدات الناجمة عن الفراغ الأمني، حيث تمتد آثارها إلى التجارة الدولية وأمن الإمدادات واستقرار الاقتصاد العالمي.

ضمن هذا السياق، يكتسب إدخال الزوارق الجديدة إلى الخدمة أهمية تتجاوز بعدها التقني، إذ يعكس توجه الفريق طارق صالح وقوات المقاومة الوطنية نحو تطوير القدرة البحرية وجعلها أكثر مرونة وفاعلية واستجابة، عبر رفع الجاهزية العملياتية وتوسيع نطاق الانتشار وتعزيز السيطرة على المسارات البحرية من باب المندب إلى السواحل الغربية للبحر الأحمر. وكل ذلك يمثل مؤشرات على بناء قوة قادرة على التعامل مع التهديدات المتغيرة، خصوصاً في ما يتعلق بقطع طرق التهريب المرتبطة بالمليشيات الحوثية.

كما يحمل هذا المسار دلالة سياسية واضحة، مفادها أن الدولة اليمنية، رغم ما تعانيه من أزمات وانقسامات، ما تزال قادرة على إعادة بناء بعض أدواتها السيادية وتعزيز حضورها المؤسسي. فالقوة البحرية هنا لا تُفهم كعملية تحديث عسكري فحسب، بل كجزء من استعادة الدولة لوظائفها الأساسية، وفي مقدمتها حماية الحدود والمياه الإقليمية.

غير أن هذه الجهود تظل مرتبطة بجوهر الأزمة اليمنية الممتدة، إذ إن استدامة الأمن البحري لا تتحقق دون دولة مركزية قادرة على فرض سيادتها الكاملة. وفي هذا الإطار، تبقى الوحدة اليمنية إطاراً وطنياً جامعاً، غير أن اكتمالها مرهون بتحرير بقية الشريط الساحلي الغربي اليمني واستعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي في الشمال، بما يعيد توحيد القرار السيادي للدولة.

إن ما يجري اليوم في مضيق باب المندب من الجانب اليمني يتجاوز مجرد تعزيز أسطول عسكري، بل يمثل جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء الدولة اليمنية على أسس سيادية أكثر صلابة. وفي عالم تتصدر فيه البحار ساحات التنافس والنفوذ، يصبح امتلاك قوة بحرية فاعلة شرطاً حاسماً لفرض السيادة وصناعة المكانة، فالدول التي تؤمّن ممراتها هي التي ترسخ وجودها وتحدد موقعها في معادلات القوة الدولية.