نبات أحمد.. "سلطانة العود" التي كسرت قيود القبيلة في اليمن
السياسية - منذ 3 ساعات و 49 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
لم تكن الفنانة اليمنية الراحلة نبات أحمد مجرد مطربة حققت شهرة واسعة في اليمن، بل مثلت ظاهرة فنية واجتماعية استثنائية ارتبطت بمرحلة مفصلية من تاريخ المجتمع اليمني، حين بدأت المرأة تشق طريقها بصعوبة نحو الفضاء العام في مواجهة قيود اجتماعية وقبلية كانت تنظر إلى الغناء باعتباره فعلاً خارجاً عن المألوف.
وفي قراءة تحليلية نشرها الأكاديمي البحريني الدكتور عبدالله المدني في صحيفة "البيان" الإماراتية، استعرض مسيرة الفنانة التي عُرفت بلقب "سلطانة العود"، باعتبارها نموذجاً لكفاح المرأة اليمنية من أجل انتزاع حقها في الإبداع والتعبير الفني، في مجتمع ظل لعقود طويلة يفرض قيوداً صارمة على الفن عموماً وعلى غناء النساء على وجه الخصوص.
ويضع المدني قصة نبات أحمد في سياق أوسع يتعلق بتاريخ الموسيقى اليمنية العريق، مشيراً إلى أن اليمن يعد من أقدم مواطن الموسيقى والغناء في المنطقة العربية، حيث تؤكد الدراسات التاريخية والنقوش الأثرية وجود الآلات الموسيقية منذ حضارات ما قبل الميلاد، كما لعب اليمنيون دوراً بارزاً في تطور الموسيقى العربية وانتقالها إلى مناطق مختلفة من العالم العربي.
ورغم هذا الإرث الموسيقي الضارب في القدم، فإن التحولات الاجتماعية والهيمنة القبلية في شمال اليمن أسهمت في محاصرة الفن لفترات طويلة، الأمر الذي دفع الفنانين إلى اللجوء إلى الشعر الصوفي والحميني للتعبير عن مشاعرهم بعيداً عن القيود الدينية والاجتماعية. أما المرأة، فقد واجهت تحديات مضاعفة جعلت ظهورها في الساحة الفنية أمراً بالغ الصعوبة.
وفي هذا المناخ المحافظ ولدت نبات أحمد عام 1955 في مدينة تعز لأسرة تنحدر من محافظة ذمار، حيث نشأت في بيت محب للفن بفضل والدها الذي آمن بموهبتها وموهبة شقيقتها الكبرى روضة أحمد. غير أن هذا الدعم العائلي اصطدم برفض قبلي حاد، وصل إلى حد مقاطعة بعض أقارب الأسرة بسبب سماح الأب لابنتيه بخوض تجربة الغناء.
ومنذ طفولتها أظهرت نبات شغفاً استثنائياً بالغناء، فكانت تؤدي الأغاني أمام زميلاتها في المدرسة في وقت لم تكن فيه هناك معاهد موسيقية أو مسارح أو حتى آلات موسيقية متاحة للفتيات، ما دفعها إلى ابتكار وسائل بسيطة للعزف والإيقاع باستخدام الأدوات المنزلية المتواضعة.
ومع قيام النظام الجمهوري عام 1962 وبدء انفتاح المجتمع تدريجياً على الفنون، وجدت نبات الفرصة الأولى للظهور العلني، قبل أن يكتشف موهبتها الفنان محمد حمود العوامي الذي تكفل برعايتها فنياً وقدمها للجمهور في واحدة من أهم محطات حياتها الفنية على مسرح قصر سبأ بمدينة تعز مطلع السبعينيات.

ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة الصعود، لتتحول الفتاة القادمة من بيئة قبلية محافظة إلى أحد أبرز الأصوات النسائية في اليمن. ولم يقتصر تميزها على الغناء فقط، بل أصبحت من أوائل النساء اليمنيات اللواتي أتقنّ العزف على آلة العود، بعدما تلقت التدريب على يد زوجها الأول الفنان الراحل أحمد صالح الأبرش، الذي لعب دوراً مهماً في تشكيل تجربتها الفنية من خلال التلحين والكتابة والغناء المشترك معها.
ويرى مراقبون أن أهمية نبات أحمد لا تكمن فقط في رصيدها الفني الضخم الذي تجاوز 120 ألبوماً وعشرات الأغاني التي لا تزال حاضرة في الذاكرة اليمنية، وإنما في كونها أسهمت في تغيير الصورة النمطية عن المرأة الفنانة داخل المجتمع اليمني، وفتحت الطريق أمام أجيال لاحقة من الأصوات النسائية.
فقد استطاعت أن تنتقل من الحفلات المحلية إلى المشاركة في فعاليات فنية خارج اليمن، وأن تمثل الأغنية اليمنية في دول عربية عدة، بينها السعودية والكويت والبحرين وجيبوتي، كما أحيت حفلات للجاليات اليمنية في الخارج، لتصبح واحدة من أكثر الفنانات حضوراً وتأثيراً خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.
لكن النجاح لم يكن طريقاً سهلاً بالنسبة لها. فبعد وفاة زوجها الأول في حادث سير، واجهت تحديات شخصية ومجتمعية جديدة، ثم دخلت في زواج ثانٍ أدى إلى ابتعادها عن الساحة الفنية نحو ثمانية عشر عاماً، بعدما فرضت عليها قيود حدّت من نشاطها الفني واقتصرت مشاركاتها على المناسبات النسائية.
ورغم تلك التحديات، ظلت نبات أحمد رمزاً للتمرد على القيود الاجتماعية. ويستشهد الكاتب بإحدى المواقف التي تعكس قوة شخصيتها، حين واجهت قراراً رسمياً بمنع النساء من الغناء في حفل خيري بمدينة الحديدة، فأصرت على حقها وحق زميلاتها في المشاركة، ونجحت في انتزاع موافقة عليا لإقامة الحفل رغم اعتراض السلطات المحلية آنذاك.
وفي عام 2003 توفت "سلطانة العود" وأسدلت الستار على مشوارها الفني بسبب المرض وتراجع قدرتها الصوتية، حيث دفعتها الحروب والأزمات المتلاحقة إلى مغادرة اليمن والاستقرار في مصر، حاملة معها ذاكرة فنية غنية وأرشيفاً من الأغنيات التي ارتبطت بوجدان اليمنيين في الداخل والمهجر.
وأشار تحليل الدكتور عبدالله المدني إلى أن قصة نبات أحمد تتجاوز حدود السيرة الفنية التقليدية، لتتحول إلى شهادة على مرحلة كاملة من التحولات الاجتماعية والثقافية في اليمن، حيث جسدت الفنانة الراحلة صراع المرأة اليمنية من أجل الاعتراف بموهبتها وحقها في الحضور العام، لتبقى واحدة من أبرز الأسماء التي أسهمت في صناعة تاريخ الأغنية اليمنية الحديثة.
>
