الأوبئة ونقص التمويل يهددان بانهيار القطاع الصحي في اليمن

السياسية - منذ 3 ساعات و 40 دقيقة
تعز، نيوزيمن، تقرير خاص:

في الوقت الذي يواجه فيه ملايين اليمنيين ظروفاً معيشية قاسية وتحديات اقتصادية متفاقمة، تتجه الأنظار نحو القطاع الصحي الذي بات يمثل أحد أكثر القطاعات تضرراً من تداعيات الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، وسط تحذيرات دولية متزايدة من انهيار وشيك قد يدفع البلاد نحو كارثة إنسانية غير مسبوقة.

وأطلقت منظمة الصحة العالمية تحذيراً جديداً، الأربعاء، بشأن الأوضاع الصحية والإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد وصلت إلى مرحلة حرجة تهدد حياة الملايين، في ظل اتساع رقعة الأمراض الوبائية، وتراجع الخدمات الطبية، وانخفاض التمويل الإنساني المخصص للقطاع الصحي.

قطاع صحي منهك

يعاني النظام الصحي في اليمن من تدهور مستمر نتيجة سنوات الصراع التي ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية الصحية، وأدت إلى خروج العديد من المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة، فضلاً عن النقص الحاد في الكوادر والمستلزمات الطبية والأدوية الأساسية.

وبات الحصول على الرعاية الصحية في كثير من المناطق اليمنية تحدياً يومياً للمواطنين، خصوصاً في المحافظات الريفية والنائية التي تعاني ضعفاً كبيراً في الخدمات الطبية، ما يدفع المرضى إلى قطع مسافات طويلة بحثاً عن العلاج أو مواجهة مصيرهم دون رعاية صحية مناسبة.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية والحماية، في مؤشر يعكس حجم التدهور الذي أصاب مختلف القطاعات الحيوية وفي مقدمتها القطاع الصحي.

توسع الأوبئة وتراجع القدرة على المواجهة

وفي ظل هشاشة النظام الصحي، تشهد البلاد تفشياً متزايداً لعدد من الأمراض والأوبئة التي كان بالإمكان الحد من انتشارها عبر برامج التحصين والرعاية الوقائية.

ووفقاً للصحة العالمية، تشمل أبرز التهديدات الصحية الحالية فيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاح من النوع الثاني، والكوليرا والإسهال المائي الحاد والحصبة والخناق وحمى الضنك والملاريا، وهي أمراض تجد بيئة مناسبة للانتشار في ظل تدهور خدمات المياه والصرف الصحي وضعف برامج التطعيم.

ويرى مختصون أن استمرار هذه الأوبئة يمثل مؤشراً خطيراً على تراجع قدرة المؤسسات الصحية على تنفيذ برامج الوقاية والاستجابة السريعة، خصوصاً مع انخفاض معدلات التحصين وتزايد التحديات اللوجستية والمالية التي تواجه الجهات الصحية والإنسانية.

أزمة تمويل تعمق الجراح

ولم يعد الخطر مقتصراً على انتشار الأمراض فحسب، بل امتد إلى تراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الاستمرار في تقديم الخدمات المنقذة للحياة بسبب النقص الحاد في التمويل.

فبحسب منظمة الصحة العالمية، أدى انخفاض الدعم المالي خلال الأشهر الماضية إلى تقليص خدمات التغذية بنسبة تصل إلى 63 بالمائة، ما يهدد بارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال والنساء، ويزيد من احتمالات الوفيات المرتبطة بالأمراض ونقص الرعاية الصحية.

كما تسبب تراجع التمويل في إغلاق أكثر من 450 مرفقاً صحياً خلال العام الماضي، بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية، من بينها 76 مستشفى، الأمر الذي أدى إلى حرمان ملايين السكان من خدمات صحية أساسية كانت تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأمراض والأوبئة.

تداعيات إنسانية خطيرة

ويؤكد مراقبون أن استمرار انهيار الخدمات الصحية لا يهدد الجانب الطبي فحسب، بل ينعكس على مختلف جوانب الحياة، حيث يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات، وتفاقم سوء التغذية، وزيادة معاناة الأسر الفقيرة التي أصبحت عاجزة عن تحمل تكاليف العلاج أو الوصول إلى المرافق الصحية العاملة.

كما أن تراجع الخدمات الصحية يضاعف من هشاشة المجتمعات المحلية ويقوض قدرة السكان على الصمود في مواجهة الأزمات المتلاحقة، في بلد يواجه بالفعل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

نداء أخير قبل فوات الأوان

وفي ظل هذا المشهد القاتم، دعت منظمة الصحة العالمية المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى التحرك العاجل لتوفير التمويل اللازم لاستمرار الخدمات الصحية الطارئة، مؤكدة حاجتها إلى 38.8 مليون دولار لتقديم الرعاية الصحية المنقذة للحياة لأكثر من 10.5 ملايين شخص.

وحذرت المنظمة من أن أي تأخير في الاستجابة سيؤدي إلى خسائر بشرية أكبر وانهيار المزيد من المرافق والخدمات الأساسية، ما سيجعل تعافي القطاع الصحي أكثر صعوبة وتعقيداً في المستقبل.

ومع استمرار الصراع وتراجع الدعم الدولي واتساع الاحتياجات الإنسانية، يبدو اليمن اليوم أمام اختبار مصيري، حيث لم تعد التحذيرات الأممية مجرد أرقام وإحصائيات، بل ناقوس خطر يدق بقوة معلناً أن القطاع الصحي يقف على حافة الانهيار، وأن ملايين اليمنيين باتوا ينتظرون استجابة عاجلة تنقذ ما تبقى من منظومة الرعاية الصحية وتحول دون وقوع كارثة إنسانية أوسع نطاقاً.