المراكز الصيفية الحوثية.. استثمار ممنهج في تشكيل العقول وصناعة الولاءات
السياسية - منذ 7 ساعات و 18 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
في الوقت الذي يفترض أن تمثل فيه العطلة الصيفية فرصة لتنمية مهارات الأطفال وصقل قدراتهم العلمية والثقافية، تواصل جماعة الحوثي استغلال ما تسميها "المراكز الصيفية" كأحد أبرز أدواتها لاستهداف عقول النشء وإعادة تشكيل وعيهم وفق رؤى أيديولوجية وطائفية، الأمر الذي يثير مخاوف واسعة لدى التربويين والحقوقيين وأولياء الأمور بشأن مستقبل الأجيال اليمنية.
ويرى مختصون أن هذه المراكز تجاوزت منذ سنوات أهداف الأنشطة التعليمية والترفيهية المعتادة، لتتحول إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية، تستهدف الأطفال والشباب في مرحلة عمرية تعد الأكثر حساسية وتأثراً، ما يجعلها قضية تتعلق بالأمن الفكري والاجتماعي ومستقبل الدولة اليمنية.
استهداف مبكر لعقول الأطفال
وتشير تقارير حقوقية وتربوية إلى أن جماعة الحوثي تستخدم المراكز الصيفية لنشر أفكار ذات طابع طائفي وتعبوي بين الأطفال والشباب، إلى جانب غرس مفاهيم مرتبطة بالصراع والعنف، في ممارسات يصفها مختصون بأنها تشكل تهديداً مباشراً للهوية الوطنية والقيم المجتمعية الجامعة.
ويحذر تربويون من أن استمرار هذه الأنشطة يسهم في صناعة فجوة فكرية وثقافية داخل المجتمع، ويؤدي إلى خلق أجيال تحمل رؤى أحادية ومنغلقة، ما ينعكس سلباً على فرص التعايش والاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.
ويؤكد اختصاصيون أن استهداف الأطفال في مراحل مبكرة من أعمارهم يجعل تأثير هذه البرامج أكثر خطورة، نظراً لقدرتها على تشكيل القناعات والسلوكيات التي قد ترافق الفرد لسنوات طويلة.
الوعي الوطني في مواجهة التطرف
وفي مقابل هذه التحديات، تتزايد الدعوات إلى تعزيز الوعي الوطني باعتباره خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من الاستقطاب الفكري وخطابات التطرف والكراهية.
ويؤكد تربويون أن مسؤولية حماية النشء لا تقع على جهة واحدة، بل تتطلب تكاملاً بين الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، من خلال برامج توعوية مستمرة تعزز قيم المواطنة والانتماء الوطني واحترام التنوع ونبذ العنف.
ويشيرون إلى أن بناء وعي وطني راسخ لدى الأطفال والشباب يمثل السلاح الأقوى في مواجهة محاولات غسل الأدمغة، واستغلال الفئات العمرية الصغيرة في مشاريع أيديولوجية ضيقة.
مخاوف مجتمعية متزايدة
وتعكس شهادات أولياء الأمور حجم القلق المتنامي تجاه هذه المراكز. إذ يقول محمد عبدالقادر، وهو أحد أولياء الأمور، إن أخطر ما في تلك الأنشطة يتمثل في استهدافها المبكر لعقول الأطفال وتقديم مفاهيم مغلوطة على أنها حقائق ومسلمات.
من جانبها، تؤكد أم أكرم أنها تشعر بقلق دائم على أطفالها من تأثير هذه البرامج، مشيرة إلى أن الأسرة مطالبة اليوم بأداء دور أكبر في متابعة الأبناء وتوجيههم ومراقبة مصادر تلقيهم للمعلومات، خاصة في ظل الانفتاح الإعلامي والرقمي المتسارع.
أما الاختصاصي التربوي محمد سعيد، فيرى أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الجوانب الأمنية فقط، بل تستوجب معالجات فكرية وثقافية وتربوية طويلة المدى، من خلال إطلاق برامج وطنية تستهدف مختلف شرائح المجتمع وتعمل على تفكيك الخطاب المتطرف وتقديم بدائل تربوية معتدلة.
حماية الطفولة مسؤولية وطنية
ويؤكد مختصون اجتماعيون أن حماية الأطفال من الاستغلال الفكري أصبحت قضية وطنية وسيادية ترتبط بشكل مباشر بأمن المجتمع واستقراره ومستقبل الدولة.
ويشيرون إلى أن استهداف النشء عبر البرامج المؤدلجة والأنشطة التعبوية يمثل تهديداً للهوية الوطنية، ويؤثر على منظومة القيم الجامعة التي تشكل أساس التماسك المجتمعي.
كما يرون أن القوى السياسية مطالبة بتبني خطاب وطني جامع يعزز الانتماء للدولة ويحمي الأطفال من الاستغلال، إلى جانب الدفع نحو تشريعات وسياسات أكثر فاعلية في حماية الطفولة، وممارسة دور رقابي يكشف أي ممارسات تستهدف النشء أو تؤثر على مستقبلهم.
وفي السياق ذاته، يشدد المختصون على أهمية دور المؤسسات الرسمية في حماية العملية التعليمية من التسييس والتحريف، وتفعيل القوانين الوطنية المتعلقة بحقوق الطفل، وتنظيم الأنشطة الموجهة للأطفال بما يضمن توفير بيئة تعليمية وتربوية آمنة.
تحذيرات نقابية
وكانت نقابة المعلمين اليمنيين قد حذرت، في بيان صادر عنها خلال أبريل الماضي، من ما وصفته بـ"المخاطر الجسيمة" للمراكز الصيفية الحوثية، مؤكدة أنها تشكل تهديداً مباشراً لهوية النشء اليمني وتستهدف وعي الأطفال والشباب من خلال برامج تعبئة فكرية وعقائدية.
وأشارت النقابة إلى أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف، يتمثل الأول في تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية ممنهجة، والثاني في استمرار انقطاع مرتبات المعلمين منذ سنوات، وهو ما انعكس سلباً على العملية التعليمية وأضعف قدرة المؤسسات التربوية على أداء دورها.
وأكدت النقابة أن استمرار حرمان المعلمين من حقوقهم يسهم في إضعاف التعليم ويفتح المجال أمام مشاريع التجهيل والسيطرة الفكرية، داعية المجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل لوقف تسييس التعليم وحماية الأطفال من الاستغلال.
معركة الوعي ومستقبل اليمن
وفي ظل استمرار الصراع الذي تشهده البلاد، تبدو معركة الوعي واحدة من أكثر المعارك حساسية وتأثيراً على مستقبل اليمن، إذ لم يعد التحدي مقتصراً على المواجهات العسكرية أو السيطرة على الأرض، بل امتد إلى تشكيل وعي الأجيال القادمة وتحديد ملامح الهوية الوطنية.
ويؤكد مراقبون أن الاستثمار في الإنسان وتعزيز الوعي الوطني يمثلان حجر الأساس في بناء مجتمع متماسك وقادر على مواجهة مشاريع التطرف، مشددين على أن حماية الأطفال من الاستغلال الفكري مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على بناء جيل واعٍ ومحصن بالمعرفة والانتماء الوطني، قادر على التمييز بين التعليم والتعبئة، وبين بناء المستقبل وتوظيف الطفولة في صراعات لا تخدم سوى مشاريع الانقسام والتطرف.
>
