اتفاق هرمز يصطدم بعقدة السيادة.. خلاف أميركي إيراني يعطل التسوية

السياسية - منذ ساعة و 51 دقيقة
طهران، نيوزيمن، خاص:

تحولت المفاوضات الجارية بين إيران وسلطنة عُمان بشأن تنظيم الملاحة في مضيق هرمز من مسار فني يهدف إلى إعادة تشغيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إلى مواجهة سياسية واستراتيجية معقدة، بعدما اصطدمت بعقدة السيادة والنفوذ، في ظل تمسك طهران بالحصول على صلاحيات واسعة لمراقبة السفن وفرض رسوم على عبورها، مقابل رفض أميركي قاطع لأي ترتيبات تمنح إيران نفوذاً دائماً على المضيق الذي يمر عبره جانب كبير من صادرات النفط والغاز العالمية.

ورغم إعلان المسؤولين الإيرانيين إحراز تقدم في المحادثات الفنية والقانونية مع سلطنة عُمان، فإن المؤشرات تكشف أن الملفات الأكثر حساسية لا تزال بعيدة عن الحسم، إذ تؤكد طهران أنها توصلت إلى تفاهمات بشأن المسار الملاحي الجديد، لكنها تتمسك بأن تمر السفن التجارية عبر مياهها الإقليمية في الاتجاهين، بما يمنحها دوراً مباشراً في الإشراف على حركة الملاحة، وهو ما تعتبره حقاً سيادياً يرتبط بموقعها الجغرافي وسيطرتها على جزء من المضيق.

ولا تقتصر المطالب الإيرانية على إعادة تنظيم خطوط الملاحة، بل تمتد إلى فرض رسوم عبور على السفن التجارية تتراوح بين خمسة وسبعة في المائة من قيمة الشحنات، في حين تقترح سلطنة عُمان رسوماً أقل وعلى أساس طوعي، بينما ترفض الولايات المتحدة فرض أي رسوم من الأساس، معتبرة أن ذلك يفتح الباب أمام تكريس نفوذ إيراني دائم على أهم شريان للطاقة في العالم.

وترى واشنطن أن منح طهران حق مراقبة السفن أو تحصيل رسوم على مرورها لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل يشكل تحولاً استراتيجياً يعيد صياغة قواعد السيطرة على المضيق، ويمنح إيران ورقة ضغط سياسية واقتصادية يمكن استخدامها مستقبلاً كلما تصاعد التوتر مع الغرب، وهو ما يتعارض مع السياسة الأميركية التي اعتبرت، على مدى عقود، حرية الملاحة في مضيق هرمز مصلحة دولية لا يجوز أن تخضع لإرادة أي قوة إقليمية منفردة.

وتزداد المخاوف الأميركية والغربية من أن يؤدي القبول بهذه الصيغة إلى خلق سابقة قانونية وسياسية تمتد إلى ممرات بحرية أخرى، خصوصاً في ظل محاولات شهدها باب المندب خلال الأشهر الماضية لفرض ترتيبات تؤثر في حركة الملاحة الدولية، الأمر الذي يثير مخاوف من تحول الممرات البحرية الاستراتيجية إلى أدوات ابتزاز سياسي واقتصادي تخضع لمعادلات النفوذ الإقليمي.

وفي محاولة لتجاوز هذه الخلافات، تواصل سلطنة عُمان دورها كوسيط بين الطرفين، عبر طرح صيغة تقوم على تقاسم المسؤوليات في عمليات الإشراف والتفتيش، مع الإبقاء على أي رسوم محتملة في إطار طوعي، بما يحقق توازناً بين المطالب الإيرانية والهواجس الأميركية والخليجية. 

غير أن مصادر مطلعة تستبعد التوصل إلى اتفاق نهائي في المدى القريب، مؤكدة أن القضايا الجوهرية المتعلقة بالصلاحيات التنفيذية وآليات الرقابة والرسوم ما تزال محل خلاف عميق، وأن نجاح الوساطة يبقى مرهوناً بقرار سياسي أكثر من كونه تفاهمات تقنية.

ويأتي هذا التعقيد في وقت يتعرض فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لضغوط داخلية متزايدة لإنهاء الحرب بعد أشهر من التصعيد العسكري، إذ أبدى تفضيله للحل الدبلوماسي، لكنه يواجه في المقابل تحدياً سياسياً يتمثل في صعوبة القبول بأي صيغة قد تُفسر داخلياً على أنها تنازل استراتيجي لطهران، خاصة بعد الوعود السابقة بإجبارها على تغيير سلوكها. 

كما تحاول إيران تعزيز موقفها التفاوضي عبر ربط إعادة فتح المضيق بالتزام واشنطن بتفاهمات وقف العمليات العسكرية، ملوحة في الوقت نفسه باستهداف منشآت الطاقة في المنطقة إذا تعرضت لهجوم جديد، في رسالة تؤكد استمرار استخدام ملف هرمز كورقة ضغط ضمن معادلة أمنية وسياسية أوسع.

ويرى خبراء استراتيجيون أن التصعيد المتبادل بين واشنطن وطهران لم يعد يعكس اتجاهاً حتمياً نحو الحرب، بقدر ما أصبح جزءاً من أدوات التفاوض. ويؤكدون أن إدارة ترامب تعتمد استراتيجية تقوم على الجمع بين التهديد وفتح قنوات الحوار في الوقت نفسه، بينما تستخدم إيران التصعيد لتعزيز أوراقها التفاوضية ومحاولة انتزاع مكاسب تتعلق بالعقوبات والبرنامج النووي ومستقبل أمن الخليج. كما يشيرون إلى أن الانقسامات داخل مراكز صنع القرار في إيران، بين التيار المتشدد والداعين إلى الانفتاح، تزيد المشهد تعقيداً وتؤثر في سرعة اتخاذ القرار بشأن أي اتفاق محتمل.

في المقابل، يؤكد محللون خليجيون أن جوهر الأزمة لا يتعلق بتنظيم الملاحة بقدر ما يرتبط بمحاولة إيران تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي دائم، معتبرين أن تمسكها بورقة مضيق هرمز يهدف إلى ربط أمن الطاقة العالمي بملفاتها النووية والعقوبات الاقتصادية، بينما تسعى دول الخليج إلى ضمان بقاء المضيق مفتوحاً وفق قواعد القانون الدولي بعيداً عن أي ترتيبات تمنح طهران حق التحكم بحركة التجارة الدولية. 

كما يرون أن قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط بدأت تتراجع مع تنامي الجهود الإقليمية والدولية لإيجاد بدائل لنقل الطاقة عبر ممرات أخرى، وهو ما قد يقلص من أهمية هذه الورقة مستقبلاً.

وبين تمسك إيران باعتبار مضيق هرمز جزءاً من معادلة سيادية وأمنية، وإصرار الولايات المتحدة على منع أي تغيير في قواعد إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شامل قائمة من الناحية الفنية، لكنها لا تزال تصطدم بعقبات سياسية عميقة. 

فالمفاوضات تجاوزت منذ وقت طويل حدود تنظيم الملاحة، وأصبحت اختباراً لموازين القوى في الخليج، ولقدرة كل طرف على فرض رؤيته لمستقبل الأمن البحري في المنطقة، في وقت يبقى فيه القرار السياسي الأميركي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت التسوية سترى النور أم سيظل مضيق هرمز رهينة الصراع بين واشنطن وطهران.