د. علي النعيمي

د. علي النعيمي

تابعنى على

اختطاف العقل العربي و التلاعب به في الأزمات

منذ ساعة و 54 دقيقة

العقل لا يُختطف فجأة… بل يُهيّأ لذلك بصمت، عبر سنوات من التراكم، حتى يصبح مستعدًا لتصديق ما لا يُصدق، والدفاع عمّا يضرّه، والتشكيك فيما يحميه. وهذه ليست إهانة للعقل العربي، بل قراءة صريحة لواقع استغلّه خصومه بمهارة، وفي مقدمتهم النظام الإيراني في عدوانه الغاشم على دول الخليج.

في أزمات منطقتنا، لا تُخاض المعارك بالسلاح فقط، بل بالكلمة، بالصورة، بالرواية. وهنا تظهر أول ثغرة: غياب الوعي النقدي لدى شريحة واسعة من الجمهور. حين تُستبدل المعلومة بالشائعة، والتحليل بالتحريض، يصبح العقل أرضًا خصبة لأي خطاب عاطفي موجّه. النظام الإيراني لم يعتمد فقط على الصواريخ، بل على ماكينة إعلامية ضخمة تُعيد صياغة الواقع، وتُلبس العدوان ثوب “المقاومة”، وتُحوّل المعتدي إلى ضحية.

ثم تأتي أزمة الهوية المرتبكة. حين لا يكون الانتماء الوطني واضحًا وصلبًا، يصبح الفرد عرضة للاختراق عبر شعارات عابرة للحدود. يتم استدعاء الدين، أو الطائفة، أو الشعارات الكبرى، لتغليبها على مصلحة الوطن. وهنا تحديدًا تكمن خطورة المشروع الإيراني، الذي استثمر طويلًا في تسييس الدين وتوظيفه، ليس لإحياء القيم، بل لتمرير الأجندات. وقد حذّر كثير من الباحثين في دراسات التطرف، من أن الخطاب المؤدلج قادر على إعادة تشكيل وعي الأفراد عندما يُقدَّم بلباس ديني أو أخلاقي.

الإعلام غير المسؤول لعب دورًا مضاعفًا في تعميق هذا الخلل. منصات مفتوحة بلا ضوابط مهنية تحوّلت إلى ساحات للتضليل، تُدار أحيانًا بشكل ممنهج.  ان البيئات التي تعاني من ضعف التربية الإعلامية تكون الأكثر عرضة للتلاعب بالرأي العام، خاصة في أوقات النزاعات. وهذا ما شهدناه بوضوح خلال الاعتداءات الإيرانية، حيث انتشرت روايات مفبركة تُنكر استهداف المدنيين وتُشوّه الحقائق.

ولا يمكن تجاهل أثر الأزمات المتراكمة في المنطقة. شعوب أنهكتها الصراعات تصبح أكثر قابلية لتصديق أي خطاب يعدها بالخلاص، حتى لو كان زائفًا. هنا يتحوّل اليأس إلى مدخل للاختراق، وتُستغل المعاناة لتبرير مواقف لا تخدم أصحابها. في هذا السياق، يصبح التلاعب بالعقل أسهل، لأنه يخاطب الألم قبل أن يخاطب المنطق.

لكن أخطر ما في الأمر هو غياب الرواية الوطنية القوية لدى البعض. حين لا تُروى قصة الوطن بوضوح، يرويها الآخرون كما يشاؤون. دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، قدّمت نموذجًا مختلفًا: وضوح في الموقف، صراحة في الخطاب، وتمسّك بالقانون الدولي. ومع ذلك، فإن أي فراغ في الخطاب يُملأ فورًا بروايات مضادة، غالبًا ما تكون موجهة ومضللة.

ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل معركة على الوعي. ومن لا يدرك ذلك، سيبقى هدفًا سهلًا. حماية العقل العربي تبدأ من بناء وعي نقدي حقيقي، وتعزيز الانتماء الوطني، وتحصين المجتمع ضد استغلال الدين والسياسة. كما تتطلب إعلامًا مسؤولًا، وتعليمًا يُخرّج أفرادًا قادرين على السؤال، لا مجرد التلقي.

في نهاية المطاف، لا يمكن لأي مشروع عدائي أن ينجح دون بيئة تسمح له بالاختراق. والتحدي الحقيقي أمامنا ليس فقط في مواجهة الصواريخ، بل في حماية العقول من أن تتحول إلى أدوات في يد من يستهدف أوطاننا.

من صفحة الكاتب على إكس