عادل الهرش

عادل الهرش

تابعنى على

من لم يكن جمهورياً فليس يمنياً

منذ ساعتان و 55 دقيقة

في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأوطان، تسقط الأقنعة سريعاً، وتنكشف الحقائق بلا تزييف. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والحديث عن إيران ودورها، تطفو بين الحين والآخر أصوات نشاز من بعض المنتمين على الشرعية، تحاول إعادة إنتاج الخديعة القديمة بثوبٍ جديد، تحت لافتة ما يسمى بـ“الأخوّة الإسلامية” وتبرير التعاطف مع النظام الإيراني.

هذه ليست زلة لسان، بل امتدادٌ لسلوكٍ متجذر. فهذه الأطراف، سواء كانوا سياسية أو عسكرية أو قبلية، هي ذاتها التي وقفت إلى جانب الحوثي منذ عام 2004، وباركت تمدده، وغطّت جرائمه بخطابٍ مراوغ. وهي التي ساهمت في إدخال هذا المسخ إلى المشهد خلال مرحلة الربيع، ثم أيّدت انقلابه على الدولة ومؤسساتها، ولا تزال حتى اليوم أسيرةً للبوصلة المختلة ذاتها، وإن غيّرت لغتها وأدواتها.

المشكلة لا تكمن في اختلافٍ سياسي مشروع، بل في خللٍ عميق في مفهوم الانتماء. فعندما يتحول الصراع من معركة دفاع عن الدولة والجمهورية إلى تبريرٍ لمشروع كهنوتي مرتبط بالخارج، فإننا لا نكون أمام “رأي”، بل أمام انحرافٍ يضرب أساس الهوية الوطنية.

إن ترويج فكرة أن “الحوثي يمني” لتبرير ممارساته، أو محاولة تلميع النظام الإيراني باعتباره حليفاً دينياً، ليس سوى سقوط أخلاقي وسياسي. فالدين حين يُستغل لتبرير الهيمنة وتغليف التسلط، لا يوحّد، بل يتحول إلى أداة للسيطرة والتفريق.

هؤلاء المتلونون يعيشون ازدواجية واضحة: يرفعون شعار الجمهورية في العلن، ويتبنون في العمق أدبيات تتقاطع مع منطق الإمامة. يتحدثون عن الحرية، لكنهم يصمتون أمام القمع والتسلط، بل يلتقون عملياً في إضعاف مؤسسات الدولة وتمييع المعركة الوطنية.

هم لا يقفون في منطقة رمادية، بل يتحركون ضمن مساحة تخدم خصم الدولة والهوية. يخلطون الأوراق، ويشوّشون الوعي العام، ويحوّلون الصراع من مواجهة واضحة بين جمهورية وانقلاب إلى حالة ضبابية يستفيد منها الطرف الحوثي ومن يقف خلفه.

الحقيقة التي لا ينبغي الالتفاف عليها أن الشعب اليمني، منذ ثورة 26 سبتمبر 1962، قد حسم خياره وحدد وجهته: طريق الجمهورية والحرية، لا الوصاية؛ طريق الدولة، لا الإمامة؛ وطريق المواطنة، لا الكهنوت.

ومن يحاول اليوم الالتفاف على هذا المسار أو إعادة تعريفه تحت أي مبرر، فإنه يقف خارج هذا الإجماع الوطني، مهما رفع من شعارات.

هذه ليست دعوة للإقصاء، بل معيارٌ للانحياز الوطني. فالجمهورية ليست مجرد نظام حكم، بل عقدٌ يقوم على المساواة، ويرفض احتكار السلطة، ويكسر منطق الاستبداد. ومن لا يؤمن بهذا العقد أو يعمل ضده، لا يمكن أن يكون شريكاً في بناء الدولة.

ختاماً نقولها بوضوح: اليمن اليوم لا يحتاج إلى مواقف رمادية، بل إلى وضوح كامل: إما جمهورية كاملة السيادة، 

“فمن لم يكن جمهوري فليس بيمني”

وما بين هذين الخيارين… لا مساحة لأنصاف الرجال.