سمية الفقيه

سمية الفقيه

تابعنى على

وحدتنا الغائبة.. حين أصبح اليمني غريبًا في وطنه!

منذ 5 ساعات و 36 دقيقة

قبل 36 عامًا، وتحديدًا في مثل هذه الأيام، كانت المدن اليمنية تتزين بأهازيج الفرح، وتتعالى الأغاني الوطنية من عدن إلى صنعاء، ومن تعز إلى حضرموت، وكأن الوطن كله قلب واحد ينبض باسم الجمهورية اليمنية.

كانت أعلام الوحدة ترفرف فوق البيوت والمدارس والطرقات والمشاريع التي كانت تُفتتح باسم المواطن اليمني لا باسم منطقته أو قبيلته أو انتمائه.

كان اليمني يشعر أن له وطنًا يتسع للجميع، وأنه حين ينتقل من محافظة إلى أخرى لا يغادر أرضه ولا يشعر بالغربة في ملامح الناس ولا في لهجاتهم ولا في تفاصيل حياتهم. 

أما اليوم، فقد تبدلت الملامح والمدن.. أصبح اليمني يسافر داخل وطنه وكأنه يعبر حدودًا متعبة، يحمل خوفه قبل حقيبته، ويتلفت أكثر مما يطمئن.

تغيرت الأسئلة، وتغيرت النفوس، وغابت تلك البساطة التي كانت تجعلنا شعبًا واحدًا مهما اختلفت المدن والقرى.

صرنا نرى الحواجز أكبر من الطرق، والانقسامات أعلى من أعلام الوطن، وكأن سنوات الحرب لم تكتفِ بإسقاط الدولة بل حاولت أن تنتزع من الناس شعورهم بأنهم أبناء وطن واحد. 

الوحدة التي كانت يومًا مشروع أمل، تحولت في عيون كثيرين إلى ذكرى بعيدة يرويها الكبار بحسرة، ويتساءل عنها الصغار بدهشة.

لم تعد الوحدة احتفالًا وطنيًا كما كانت، بقدر ما أصبحت أمنية يرددها المواطن البسيط وهو يبحث عن راتب، أو كهرباء، أو طريق آمن، أو مساحة كرامة يعيش فيها دون خوف أو تصنيف أو تمييز. 

لقد عادت المناطقية بثوب أكثر قسوة، وعاد الفرز بين الناس على أساس الانتماء والهوية واللهجة، وكأننا نهدم بأيدينا ما بناه الآباء بتضحياتهم وأحلامهم.

وتحول الوطن الذي كان يتحدث بلغة واحدة إلى أصوات متنازعة، كل طرف يرى الآخر خصمًا بدل أن يكون شريكًا في الأرض والمصير. 

وفي معترك هذا الشتات، ضاعت معاني كثيرة. ضاعت الحكمة التي كان اليمن يُعرف بها، وخفتت شهامة اليمني الذي كان يفزع لأخيه دون أن يسأله من أين جاء.

تراجع حضور الدولة، وغابت الخدمات، وانهارت التنمية، وأصبحت أحلام الناس أصغر من أن تكون وطنًا وأكبر من أن تتحقق. 

لكن رغم كل هذا الركام، لا يزال في القلب متسع للأمل. 

فالشعوب التي عرفت معنى الوحدة الحقيقية لا تموت فيها الرغبة باللقاء، والأوطان التي سكنت وجدان أبنائها لا يمكن أن تبقى ممزقة إلى الأبد.

سيأتي يوم يدرك فيه الجميع أن لا منتصر في وطنٍ منهك، وأن اليمن لا يمكن أن يقوم إلا بكل أبنائه، وأن الكراهية لا تبني دولة، وأن الأوطان العظيمة لا تُدار بالثأر والانقسام. 

سيعود اليمن يومًا كما نحلم به، وطنًا يفتح ذراعيه لكل أبنائه، وتعود فيه الطرق آمنة، والبيوت مطمئنة، والأغاني الوطنية صادقة لا حزينة.

وسيعود اليمنيون ليرفعوا علم الجمهورية اليمنية لا كذكرى ماضية، بل كحقيقة يعيشونها من جديد. 

فالوطن، مهما أثقلته الحروب، يبقى أكبر من خلافات الساسة، وأبقى من مشاريع التمزق، وأقوى من كل محاولات اقتلاع هويته.

وسيظل اليمن، رغم كل شيء، وطنًا يسكن القلوب قبل الخرائط، وتبقى وحدته حلم شعب لا يموت.