ثروة كبيرة مهدرة.. اليمن الغني بالأسماك أكبر مستورد للتونة المعلبة

إقتصاد - Monday 23 February 2026 الساعة 09:51 pm
عدن، نيوزيمن:

على امتداد أكثر من 2000 كيلومتر من السواحل المطلة على البحر الأحمر وبحر العرب وخليج عدن، يمتلك اليمن واحداً من أغنى الأحواض السمكية في المنطقة. 

ولعقود طويلة، شكّل القطاع السمكي ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، ومصدراً مهماً للعملات الأجنبية وفرص العمل، إذ جاء في المرتبة الثانية بعد النفط من حيث الأهمية في الناتج المحلي الإجمالي. غير أن سنوات الحرب والصدمات المتلاحقة، إضافة إلى اختلالات هيكلية في منظومة السوق، دفعت هذا القطاع الحيوي إلى مسار انحداري خطير، كشفته دراسة حديثة أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول منظومة السوق السمكي في اليمن.

الدراسة سلّطت الضوء على مفارقة اقتصادية حادة: فبينما لا تزال صادرات الأسماك قائمة، فإنها منخفضة القيمة المضافة، في مقابل ارتفاع ملحوظ في واردات المنتجات السمكية المجهزة، وعلى رأسها “التونة” المعلبة. ونتيجة لذلك، سجّل القطاع عجزاً تجارياً كبيراً، حيث تجاوزت قيمة واردات التونة المعلبة وحدها 68 مليون دولار.

ووفق البيانات الواردة في الدراسة، تراجعت صادرات التونة اليمنية من نحو 9 ملايين دولار قبل عام 2015 إلى ما يقارب 1.5 مليون دولار فقط في عام 2023، في حين أصبحت تايلاند ثاني أكبر مصدّر لليمن، مهيمنة على سوق التونة المعلبة بقيمة تقارب 25 مليون دولار. 

قبل اندلاع الحرب مطلع 2015، كان إنتاج اليمن من الأسماك والأحياء البحرية يبلغ نحو 200 ألف طن سنوياً، يتم تصدير ما بين 40% و50% منه، بعائدات تقدّر بنحو 300 مليون دولار سنوياً. إلا أن الحرب وما رافقها من تدمير للبنية التحتية، ونزوح الصيادين، وارتفاع تكاليف التشغيل، أدت إلى انخفاض الإنتاج إلى النصف تقريباً.

وتشكل صادرات المأكولات البحرية المجمدة حالياً نحو 58% من قيمة القطاع، مع سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية وتايلاند كشركاء رئيسيين لصادرات اليمن، بينما لا تتجاوز حصة الاتحاد الأوروبي 10% من إجمالي الصادرات السمكية، ما يعكس محدودية النفاذ إلى الأسواق ذات القيمة المرتفعة.

كما تشير الدراسة إلى أن الصادرات السمكية بدأت بالتراجع الحاد بعد 2015 نتيجة تأثيرات الحرب، وزيادة مشقة الصيد، وانتشار مطاحن الأسماك، إلى جانب غياب سلاسل تبريد فعالة ومرافق تجهيز حديثة، ما أدى إلى استمرار تصدير منتجات خام منخفضة العائد بدلاً من منتجات مصنّعة ذات قيمة مضافة أعلى.

ولم يقتصر التراجع على تداعيات الحرب الداخلية فحسب، بل تفاقم الوضع مع التصعيد العسكري في الممر الملاحي للبحر الأحمر. فقد أثّر انتشار القطع الحربية وتبادل الهجمات على أنشطة الصيد، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة والمخا والذباب وباب المندب، حيث باتت حركة آلاف الصيادين مشوبة بالحذر والمخاطر، في ظل مخاوف على سلامتهم وتعطل مناطق الصيد التقليدية.

هذا التصعيد زاد من الأعباء على الصيادين الذين يعتمدون على البحر كمصدر رزق أساسي، في وقت تضررت فيه موانئ الصيد والقوارب ومنشآت الإنزال بفعل الحرب المستمرة منذ تسع سنوات.

ويمثل القطاع السمكي مصدر رزق لنحو 667 ألف شخص، ويسهم في الحد من الفقر وتعزيز الأمن الغذائي في المجتمعات الساحلية. كما شكّلت الصادرات السمكية نحو 15% من إجمالي صادرات اليمن في عام 2019، ما يجعل أي تراجع فيه ذا تأثير مباشر على ميزان المدفوعات وتدفقات النقد الأجنبي.

ورغم أن اليمن يسهم بأكثر من 50% من إنتاج وتصدير الأسماك عبر البحر الأحمر وخليج عدن، فإن غياب الاستثمار في سلاسل القيمة، وضعف الخدمات المالية، وتراجع أداء الجمعيات التعاونية، كلها عوامل عمّقت الأزمة.

ودعت الدراسة إلى تبني بدائل مجدية، خصوصاً في مجال تربية الأحياء المائية، لتنويع مصادر الدخل وتقليل الضغط على المصائد الطبيعية. كما شددت على ضرورة تقوية الجمعيات النشطة، وتقييم البدائل غير الرسمية في المناطق التي انهارت فيها الجمعيات التعاونية.

وأكدت أهمية توفير خدمات مالية على مختلف مستويات سلسلة القيمة، من الصيادين إلى المصدّرين، وتحفيز التغيير السلوكي في ما يتعلق باستخدام الثلج ووقف ممارسات الصيد المدمرة. كما أوصت بزيادة القيمة المضافة للصادرات عبر تطوير قدرات التجهيز والتصنيع، وعدم إغفال السوق المحلية التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الواردات.

واقع القطاع السمكي في اليمن اليوم يجسد مفارقة صارخة: بلد غني بالموارد البحرية، لكنه يستورد منتجاته المصنعة من الخارج، وعلى رأسها التونة المعلبة من تايلاند، في وقت تتآكل فيه قدراته الإنتاجية. وبينما تتزايد الواردات، تتراجع الصادرات وتضيق فرص العمل، ما يضع هذا القطاع الحيوي أمام اختبار وجودي.

إنقاذ القطاع السمكي لم يعد مجرد مسألة اقتصادية، بل بات ضرورة اجتماعية وتنموية تمس حياة مئات الآلاف من اليمنيين، وتؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي والاستقرار المعيشي في بلد أنهكته الحرب والأزمات المتلاحقة.