نمو متسارع للمدن بالمناطق المحررة.. عن الوجه الآخر لأزمة الكهرباء
السياسية - منذ 4 ساعات و 19 دقيقة
عدن، نيوزيمن، عمار علي أحمد:
رغم الجانب المأسوي في أزمة الكهرباء بالمناطق المحررة، واستمرار عجز حكومات الشرعية عن حلها، إلا أن أسباب هذه الأزمة تُخفي وراءها حقيقة قد تبدو غائبة في الحديث عن المشهد العام للبلاد وواقع الانقسام الذي فرضته الحرب.
فالأزمة، في حقيقتها، تُعكس حجم التوسع والنمو الذي حدث ويحدث في المناطق المحررة، وتحديدًا في المدن الرئيسية خلال السنوات العشر الماضية، من حيث النشاط التجاري أو من حيث أعداد السكان، والذي انعكس على حجم التزايد الكبير في الطلب على الطاقة الكهربائية هناك.
ويمكن أخذ ثلاث مدن بالمناطق المحررة كنموذج لذلك، وعلى رأسها عدن التي تتربع اليوم على رأس قائمة المدن التي تعاني من أزمة الكهرباء خلال السنوات الماضية. ولم يشفع لها اتخاذها عاصمة مؤقتة من قبل الشرعية في النجاة من هذه الأزمة الناتجة عن قلة القدرة التوليدية لمحطات الكهرباء مقارنة بحجم الطلب.
وتبرز الأزمة بشكل عنيف مع حلول فصل الصيف، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى ارتفاع كبير في الطلب على الطاقة، والذي وصل العام الماضي إلى نحو 750 ميجاوات، في حين أن القدرة التوليدية لا تتجاوز 400 ميجاوات في حالة توفر الوقود الكامل للمحطات.
وفي حين وصل الطلب على الكهرباء العام الماضي إلى 750 ميجاوات، فإن الرقم لم يكن يتجاوز 300 ميجاوات قبل الحرب عام 2015م، ما يعني أن الزيادة في الطلب على الطاقة وصلت إلى نحو 150% خلال السنوات العشر الماضية، وبمعدل زيادة سنوي يُقدَّر بـ 15%.
أرقام تعكس حجم الزيادة والنمو المتسارع، سواء من حيث أعداد السكان أو من حيث النشاط العمراني والتجاري في العاصمة عدن جراء الاستقرار النسبي خلال السنوات الماضية، وهو ما دفع أيضًا بالآلاف من الأسر إلى النزوح من مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية إلى المدينة للاستقرار فيها.
تأثير النزوح على توسع المدن بالمناطق المحررة يمكن ملاحظته بسهولة في مأرب، وتحديدًا عاصمتها مدينة مأرب، التي تعاني أيضًا أزمة في الكهرباء بعد أن حولتها موجات النزوح من مناطق مليشيا الحوثي من مدينة ثانوية ذات كثافة سكانية منخفضة إلى واحدة من أكبر المدن كثافة سكانية في البلاد.
حيث تعاني المحافظة اليوم من عجز في تغطية الطلب على الكهرباء صيفًا، والذي يتجاوز 150 ميجاوات، في حين أن التغذية القادمة من المحطة الغازية عبر توربين واحد فقط تبلغ 105 ميجاوات، ما يدفع السلطات إلى العمل بنظام ساعات تشغيل وساعات إطفاء.
وفي حين يتجاوز الطلب اليوم على الكهرباء في مأرب 150 ميجاوات، يُشير تقرير حكومي صادر عام 2012م إلى أن الرقم حينها لم يتجاوز 15 ميجاوات فقط، ما يعني أن الطلب على الكهرباء في المدينة تضاعف بنحو عشرة أضعاف خلال سنوات الحرب.
وهو أمر منطقي بالنظر إلى تضاعف أعداد السكان بالمحافظة بذات النسبة جراء النزوح من مناطق سيطرة المليشيا الحوثية، حيث أشار تقرير رسمي عام 2022م إلى أن عدد سكان محافظة مأرب بلغ نحو 3.1 مليون شخص، من بينهم أكثر من 2.2 مليون شخص نازح، في حين كانت التقديرات قبل الحرب تُشير إلى أن عدد سكان المحافظة يبلغ نحو 300 ألف شخص فقط.
وتأتي مدينة المخا كنموذج ثالث لحجم التغيير في واقع المدن بالمناطق المحررة. ففي حين أن المدينة لا تعاني من أزمة الكهرباء بشكل كبير، إلا أن وضعها لا يختلف عن وضع مدينة مأرب، بتحولها خلال سنوات الحرب من مدينة ثانوية ذات كثافة سكانية منخفضة إلى مدينة تضم اليوم مئات الآلاف من السكان.
ويمكن النظر إلى المشروع الأخير لتوسيع محطة الطاقة الشمسية بمدينة المخا من 20 ميجاوات إلى 60 ميجاوات، ما يدل على حجم الطلب الكبير على الطاقة الكهربائية للمدينة جراء التوسع السكاني الكبير الذي شهدته المدينة خلال السنوات الماضية وما يزال مستمرًا.
هذه النماذج وهذه الأرقام تعكس حقيقة يُرفض الاعتراف بها في الحديث عن حقيقة توزيع الكثافة السكانية في اليمن بين المناطق المحررة ومناطق سيطرة المليشيا، والإصرار على أن الأخيرة تضم النسبة الأكبر للكثافة السكانية وبنسبة 70%، وهي نسبة تُصر عليها التقارير الدولية والأممية وحتى المحلية.
في حين أن حقائق وشواهد عديدة، ومنها أزمة الكهرباء بالمناطق المحررة، تُشكك في حقيقة ما تُردده هذه التقارير من حديث عن توزيع الكثافة السكانية في اليمن، وأن الاستقرار النسبي الذي تعيشه المناطق المحررة جعل منها مستقرًا لمئات الآلاف، إن لم يكن لملايين اليمنيين القادمين من مناطق سيطرة المليشيا.
>
